«رباط أبوبكر» بالأحساء مقصد طلاب العلم من أنحاء العالم

«رباط أبوبكر» بالأحساء مقصد طلاب العلم من أنحاء العالم

الأربعاء ١٩ / ٠٦ / ٢٠١٩
عبر رائحة الطين العتيقة، ونقوش الزخارف الإسلامية، وعمارة مبناه العريق الذي يفوح بعبق التاريخ الأحسائي القديم وسط حي الكوت القديم بمدينة الهفوف، ما زال «رباط أبوبكر» الذي يعد أحد أهم المدارس التي خرجت أجيالا من علماء الدين والقضاة شاهدا على تاريخ المنطقة منذ 160عاما، حين كان مقصد طلاب العلم من أنحاء العالم.

فقد كانت الأحساء بمدارسها ومساجدها وأربطتها مقصدا لطلبة العلم الذين كانوا يجدون الحفاوة والرعاية من أُسر الأحساء وعلمائها، الذين كانوا يهتمون برعاية طلبة العلم الوافدين إلى الأحساء من خلال توفير المسكن والطعام والشراب لهم ليتفرغوا لطلب العلم بجد واجتهاد.

وقد غلب على الدروس في تلك المدارس علوم الشريعة، واللغة، والعناية بحفظ القرآن الكريم، والسنة الشريفة، وقد توزعت وسائل العناية بأسباب تلك النهضة على المدارس العلمية التي عنيت بتدريس العلوم الشرعية واللغوية والتاريخ، مع الاهتمام بالوعظ والإرشاد.

تمازج وتآلف

وقال د.محمد بن أبو بكر الملا : تميزت علاقة ساكني الرباط بالتمازج والتآلف وعدم التعصب، وكانت الدروس تناقش الأحكام الشرعية مما أدى إلى اتساع أفق الدارسين، وتنوع ينابيع العلم لديهم، وإلمامهم بالأحكام، وقد تولى كثير من أبناء الأسرة مهام القضاء والإفتاء في الأحساء وخارجها، وخلف لنا علماء أسرة الملا المؤلفات والمصنفات الكثيرة عبر العصور والأجيال في مختلف جوانب الفكر والمعرفة، وما زال هذا الإرث العلمي محل اهتمام من مشايخ الأسرة وأبنائها بين تحقيق لهذه المؤلفات وطباعتها، وممن اهتم بهذا الجانب فضيلة الشيخ يحيى ابن الشيخ محمد أبو بكر الملا، وفضيلة الشيخ عبدالرحيم أبوبكر الملا، وغيرهما من علماء الأسرة.

طلب العلم

وأضاف د.الملا: في أواخر القرن الثالث عشر الهجري زاد إقبال الوافدين على الأحساء من المناطق الأخرى ودول الخليج العربي ودول أخرى من مختلف أنحاء العالم، بغرض طلب العلم في مدارسها وحلقات مساجدها ولم يكن باستطاعة الجميع تأمين المسكن والمأكل طيلة فترة الدراسة، فقام الشيخ عبدالله ابن الشيخ أبو بكر ابن الشيخ محمد ابن الشيخ عمر الملا ببناء الرباط في محلة الرويضة بالكوت عام 1280هـ بالهفوف في موقع مناسب قريب من المدارس والمساجد التي تقام فيها دروس العلم.

ولا شك أن بناء الرباط في هذا الموقع كان مدروسا، والاستفادة من ذلك ظهرت في عدة أمور منها المحافظة على وقت طلاب العلم، حيث كانت المدارس التي يذهب لها ساكنو الرباط قريبة من الرباط مما يوفر لهم الوقت والجهد، بالإضافة إلى أن موقعه وسط مدينة الكوت سهل حركة التنقلات إلى الأماكن الأخرى.

بناء الرباط

وأشار د. الملا إلى أن البناء مكون من طابقين وكل طابق يتكون من عدة حجرات من الجهات الأربع أمامها أروقة وتتوسطها ساحة مكشوفة وجناح شرقي يشتمل على بئر الماء والمطابخ والمرافق الأخرى، والمواد المستخدمة في البناء هي الجص والحصى، وأسقفه وأبوابه من أخشاب الأشجار المحلية وجذوع النخيل.

وشكل المبنى منسجم مع المباني المحلية من حيث الطراز المعماري، وكان الشيخ عبدالله ابن الشيخ أبو بكر المتقدم ذكره أول ناظر للرباط حتى وفاته سنة 1309هـ، وتولى النظارة بعده ابنه الشيخ أبو بكر، كما كان الرباط مكانا يقوم فيه طلاب العلم بمراجعة الدروس التي تم تحصيلها في المدارس الشرعية والحلقات المقامة في المساجد، وأيضا يقومون بالتحضير للدروس اللاحقة.

عناية فائقة

وقال د.محمد الملا: كانت هناك عناية فائقة بقاطنيه من طلبة العلم سواء من الدارسين من الأحساء أو الوافدين الذين تولوا القضاء والإفتاء في بلادهم بعد عودتهم من الأحساء.

وشهد الرباط منذ إنشائه عام 1280هـ صيانة متفرقة ومختلفة لكنها كانت محدودة، إلا أنه في عام 1430هـ تم عمل صيانة متكاملة وتحديث بما يناسب العصر الحديث مع بقائه على الطراز القديم.

واستمر أبناء هذه الأسرة بالدور الريادي الذي كان يقوم به الرباط وتم تفعيله بما يضمن استمراره منارة إشعاع، فأصبح يقام فيه بعض الدروس واستقبال بعض طلبة العلم من بعض دول الخليج لحضور جزء من الدروس الشرعية التي مازالت تقام في المدارس الشرعية والمساجد.

ومازال رباط الشيخ أبو بكر الملا محل إشراف واهتمام مستمر من عميد الأسرة فضيلة الشيخ محمد الفاروق ابن الشيخ أحمد أبو بكر الملا، ورئيس اللجنة المشرفة على الرباط والمدارس الشيخ أبو بكر ابن الشيخ محمد أبو بكر الملا، وشيخ مدارس الأسرة فضيلة الشيخ يحيى ابن الشيخ محمد أبو بكر الملا، ومتابعة من باقي أبناء الأسرة.