الفيفي: الثقافة «ثروة» والشعر «موهبة» لا يمكن تعلمها

قال إن تجربته في «الشورى» كانت مثيرة وسيجسدها في كتاب

الفيفي: الثقافة «ثروة» والشعر «موهبة» لا يمكن تعلمها

الخميس ٣٠ / ٠٥ / ٢٠١٩
* كيف تقيّم عملك خلال 12 عامًا في مجلس الشورى؟ وهل أثرت هذه الفترة على نتاجك الأدبي؟

- كان إسهامًا وطنيًّا، ضِمن منظومةٍ من القُدرات الوطنيَّة، لإبداء الرأي، أو المشاركة في صنع القرار. والأديب، قبل أن يكون أديبًا، هو مواطن، وهو منشغل بهموم العالَم من حوله. الوطنيَّة ليست تخصُّصًا، بل لقد كان الشاعر في ثقافتنا العربيَّة رائدًا في قومه؛ لأنه يحمل الرأي والرؤية والكلمة. وإذا كان الأمر يتمحور حول الحقِّ والخير والجمال، فليس ثمَّة مِن تَعارُض، ولا تَنافُر، بل هو الإثراء والتكامل.


* جمعت بين كتابة الرواية والشعر والكتابات النقدية.. في أي منهما تجد نفسك حرًّا في التعبير عن مكنون أنفاسك؟

- الشِّعر يظلُّ أوَّلًا، موهبةً ووراثة. ثمَّ يأتي التخصُّص في اللغة والأدب، لكن الأصل هو غواية الكلمة، التي صحبتني منذ الطفولة.

الشِّعر لا يمكن أن يتعلَّمه الإنسان؛ لأن الشِّعر موهبةٌ ويحتاج حساسيَّة خاصَّة، منذ المرحلة الابتدائية وأنا أعايش الشِّعر. والحقيقة أن الإنسان يمكن أن يكون متكاملًا في نشاطات مختلفة. ومن العقم، في رأيي، أن يحصر نفسه في إطارٍ ضيِّق. أما الرواية، فعمل فريد، أفضتْ منِّي بتراكمات من الرؤى ومذكِّرات من التجارب. في البدء لم أرضَ تصنيفها في جنسٍ أدبيٍّ، أو اصطلاح استهلاكي، ولستُ أزعم بأن هذا الحقل استوفى حقَّه المنشود؛ غير أنني وجدتُ أنه يحمل عني ما لا أجد أن في وسع الشِّعر أن يحمله. أمَّا النقد الأدبي، فعِلْم، وعمل. ولا شكَّ أن الحُريَّة، وميدان الحضور النفسي، ولذَّة الكتابة العظمى تكون في الأدب أكثر.

* حصلت على العديد من الجوائز الأدبية.. أيها كان الأقرب إليك؟

- هي جوائز أعتزُّ بها، جاءتني ولم أجئها أو أسعَ إليها. ولكلِّ جائزة قيمتها، ومذاقها، ومجالها. أمَّا من يُفصِّل كتابته للحصول على جائزة، فذلك تاجر، أو متسلِّق، أو سمِّيه ما شئت!

* كيف تنظر إلى الجوائز الأدبية بشكل عام؟

- حينما تُمنح الجوائز على أُسسٍ علميَّة، فلا شك في أن لها دورًا في دعم المسيرة الأدبيَّة، على أن الجائزة قد تكون شاهدة على الحاصل عليها، لا له، وشاهدة على مرشحيه، والجهة المانحة. ما يفسد بعض الجوائز الأدبيَّة في العالم العربي أنها تبدو مؤدلجة أحيانا، أو محكومة بأهواء البعض، وهنا تفقد قيمتها.

من جهة أخرى، أنادي منذ سنوات بالاهتمام بالجوائز العلميَّة، لإعطاء المبدعين في هذا المجال الحيوي حقوقهم في التقدير أيضًا، أنا لست ضدّ الجوائز الأدبيّة، ولا يمكن أن أكون، لكنني أدعو إلى التوازن بين العلم والأدب.

لو أخذنا جائزة الملك فيصل العالمية، على سبيل المثال -وهي ليست جائزة أدبيّة، بل متعددة الفروع- لكن السؤال: كم فاز بها من العالم العربي في فروعها العلمية البحتة؟ الفائز في الحقول الأدبيّة: عربيّ، والفائز في الحقول العلمية: غير عربي، غالبًا، إن لم يكن دائمًا؟ أين الخلل؟ في الأكاديميات العربيَّة؟ في عملية الترشيح؟ أم في العلم والعلماء؟ تلك أسئلة يجب أن تلفتنا إليها الجوائز، لمراجعة نصيب العلم في حراكنا الثقافي.

* أطلقت وزارة الثقافة 27 مبادرة تغطي كل المجالات.. ومهرجانات غنائية تشهدها المملكة لأول مرة.. كيف تقيّم الحراك الثقافي السعودي الآن؟

- أحلامٌ عظيمة، وقديمة، لعلَّها لا تتمخض عن أحلام العصافير في الغناء فقط، وإنْ كان ذلك من حقها بالتأكيد، نشوء جهاز مستقل للثقافة، في ذاته كان حلمًا، تأخَّرت رؤياه. وقد أصبح الحلم اليوم واقعًا، طالما طالبتُ كغيري، ومن خلال مجلس الشورى، إبَّان عملي في لجنة الشؤون الثقافية والإعلامية باستقلال الثقافة، وتفعيل دورها الحضاري محلِّيًّا وعالميًّا؛ فليس من المقبول أن تكون المملكة، بتاريخها الضارب في الذاكرة الإنسانيَّة على هامش الثقافات، فالثقافة ثروةٌ أهم من النفط.

* حدثني عن تجربة روايتك «طائر الثبغطر»، التي جسدت فيها حالة من تحديات الإنسان مع التطور؟

- تحكي الرواية عن التحولات، التي تمرُّ بها المجتمعات، لظروف شتَّى، وعن أشخاص تتلون كالحرباء عجيبة، بفعل تلك الطقوس الثقافيَّة، فإذا هي تلبس لكل موسم لبوسه، بدوافع مختلفة، تُفقِدها في المحصِّلة هويتها ومبادئها ومصداقيتها. يقابلها في طوائف أخرى من المجتمع الجمود والانغلاق والتشدُّد. ثمَّ ما ينشأ بين هؤلاء وأولئك من طواحين هواء، وتصفيات ثقافيَّة وتصنيفات إقصائيَّة، في صراعات فارغة، لا تُفضي في النهاية إلى ما يبني المجتمع؛ من حيث إن هذا المعترك هو في الأساس معتركٌ متوارثٌ عتيق، لا يعدو ما يُشبه الحروب العشائريَّة القديمة، كداحس والغبراء وحرب البسوس، بلا رؤية ولا أهداف إستراتيجيَّة.

* كيف تقيّم الإنتاج الأدبي الحالي على الساحة العربية؟ وهل هناك نقد حقيقي لتقديم الإرشاد والنصح للمبدعين؟

- أرى بعضه تمزِّقه الاستقطابات، فيفقد طبيعته ووظيفته. المثقَّف العربي عمومًا هو اليوم غالبًا كمشجِّع كرة القدم؛ متعصِّب لنادٍ ما، ينصره ظالمًا أو مظلومًا. أمَّا النقد الأدبي، فعلى ثلاثة ضروب: النقد الأكاديمي، وهو مجال بحثٍ عِلْمي، ليس من شأنه رعاية المبدعين، بصورة مباشرة وبالمعنى الرائج للكلمة، ولا الترويج لنتاجاتهم، مهما بلغت جودتها. والضرب الثاني، النقد الإعلامي، وهو المعوَّل عليه أن يضيء التجارب الجديدة، ويرصد الحراك الأدبي. والضرب الثالث، النقد المدرسي، الذي يمكن أن يكون من خلال الجامعات، وعلاقة الأستاذ بطلابه، وكذلك من خلال الأندية الأدبيَّة، أو المدارس العامة. وهذا النقد هو المنوط به أن يأخذ بأيدي شُداة الأدب.

قال الأديب وعضو مجلس الشورى السابق د.عبدالله الفيفي إن الشِّعر لا يمكن أن يتعلَّمه الإنسان؛ لأنه موهبةٌ وحساسيَّة خاصَّة، وأكد أن الثقافة ثروةٌ أهم من النفط، حتى على المستوى الاقتصادي.

وقال في حوار لـ«اليوم» إن المثقَّف العربي اليوم هو غالبًا كمشجِّع كرة القدم، متعصِّب لنادٍ ما، ينصره ظالمًا أو مظلومًا. وأكد أن ما يفسد بعض الجوائز الأدبيَّة في العالم العربي أنها محكومة بأهواء، منتقدا عدم التوازن بين العلم والأدب في الجوائز الأدبية لدى العرب.
المزيد من المقالات
x