سجلت المحكمة الجزائية في جدة مؤخرا سابقة قضائية سوف تُحسب تاريخيا للجسم القضائي في المملكة ولهذه المرحلة السعودية التي تتدافع متغيراتها بلا هوادة.

السابقة القضائية تمثلت في أن هذه المحكمة برأت مواطنا بعد اتهام النيابة العامة له بنشر مقطع يتضمن إساءة للمجتمع. وبرأته، أيضا، من تهمة التهكم على عدد من المسؤولين، من بينهم مدير إحدى الجامعات. وأكد الحكم على أن المتهم وجه نقده إلى فئة معينة وبأسلوب مخصص، وليس على وجه العموم للمجتمع، معتبرة أن ما فعله من قبيل النقد وحرية التعبير.

هنا اربطوا أفراسكم ربطا جيدا وتمعنوا في أمرين مهمين يشي بهما هذا الخبر. الأمر المهم الأول هو أن منطق المحاكم لدينا أصبح يتمتع بلغة معاصرة واضحة تتعلق بالحقوق المكفولة للمواطنين، بما في ذلك حرية النقد والتعبير دون تجاوز يسيء للآخرين، أما الأمر المهم الثاني فهو أننا أصبحنا بصدد مرحلة تعبيرية وقضائية لا يؤخذ فيها كل قول أو فعل على أنه إساءة لأن (المنقود) يريد ذلك ليُسكت المنتقِد أو ينال منه أو يجعله عبرة لغيره.

لسنوات طويلة، وربما لعقود، كان هناك مسؤولون يعتبرون أنفسهم فوق النقد ولا تجوز الملاحظات في حقهم مهما كانت صغيرة، وإلا اعتبر ذلك إساءة لهم ولجهة عملهم، وربما حتى اعتبروها إساءة للمجتمع من باب أنهم يمثلون هذا المجتمع بصورة أو بأخرى.

النقد بيّن والإساءة بيّنة، وما بينهما مشتبهات يحكم فيه القضاء كما حدث في جزائية جدة. ومن باب العلم بالشيء، أو تفسيره، فإنك إذا قلت إن المسؤول الفلاني يتعامل بصلف مع المواطنين ولا يستجيب لطلباتهم المتكررة فهذا نقد مشروع. أما إذا قلت إن في ماضي هذا المسؤول كذا، أو فعل كذا أو كذا في حياته الشخصية الخاصة أو حياة أسرته فهذه إساءة.. وهناك كما ترون فرق واضح ندركه ونرجو أن يدركه كل مسؤول يحتل موقعا لخدمة البلد والناس.