يحرص صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس لجنة المشاريع الكبرى على «أنسنة» المكان، بمعنى دعم البيئة المكانية بكل ما يختصر المسافة بينها وبين الإنسان، وذلك من خلال استنطاق قيم الجمال، وتحفيز العمل من أجل تطوير البيئة، وإعادة تأهيلها لتكون جزءًا من تفاصيل حياة الناس، خاصة بعدما أوشكت معظم العواصم، بل معظم المدن أن تشابه بعضها، وتصبح نسخا مكررة من ناطحات السحاب والجسور والأنفاق والواجهات الزجاجية، مما حوّلها في معظم الأحوال إلى مدن جافة يشعر المرء مع بعضها أن ثمة ما يفصله عنها، لذلك يلاحظ الجميع أن رجل الرؤية السعودية قد كرّس مفهوم «أنسنة المدن» في كل مشاريع الرؤية عندما وجّه المشاريع الجديدة لتجمع بين جمال الطبيعة وتكثيف حضور الماء والشجر، وبين الخدمات الترفيهية والرياضية التي تسمح للإنسان أن يمارس المشي والرياضات الأخرى في أجواء ملائمة، إضافة إلى استدعاء كل مقومات الجمال بدعم الفنون البصرية، وإتاحة الفرصة للمبدعين محليا وعالميا للتنافس في إظهار ما لديهم من جماليات الفنون، مما يحوّل المدن إلى لوحة فنية، وهو ما كان حكرا على مدن قليلة في العالم مثل روما على سبيل المثال.

وهذا التوجه وإن كان هدفه الرئيس تقريب المسافة الإنسانية ما بين الإنسان والمكان، لما لبيئة المكان من أثر بالغ في تشكيل نفسيات قاطنيه، فإنه من الجانب الآخر سيدعم فكرة تنافسية العاصمة الرياض في استقطاب المستثمرين، ورفع مؤهلات جعلها الخيار الأول للسكن والإقامة بما توفره من هذه الخدمات البيئية والنوعية، وهو تصور ذكي بات بعض الدول، ونتيجة للاختناقات الحاصلة في مدنها تستعيض عنه بإنشاء مدن رديفة تحتوي على ما لا يتوفر في مدن الإسمنت والزجاج، لكن الرؤية السعودية تدرك أن أي فصل ما بين بنى الخدمات الرئيسية ودوائر الخدمة، وبين منظومة البيئة لابد وأن يحوّل تلك المناطق إلى مجرد منتجعات لا تعمل إلا خلال الإجازات والعطل، لذلك ذهبت الرؤية وبشكل جريء وغير مسبوق في أيّ من دول العالم إلى إعادة تأهيل المدن ذاتها بيئيا وترفيهيا ابتداء من العاصمة التي اتجهت مشاريعها الأربعة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين مؤخرا لتكون بمثابة لباس الرياض الجديد المتشح بخضرة الأشجار، والمسطحات الخضراء، والمغتسل بندى قنوات الماء والبحيرات الاصطناعية، والنابض بالحياة بميادين الرياضة لتكون العاصمة ومن بعدها بقية المدن أجود مدن العالم حياة.