تتساءل الدوائر الثقافية والتعليمية في المملكة العربية السعودية عن مدى عالمية اللغة الصينية، منذ أن أعلن عن وضع خطة لإدراجها في مناهج التعليم العام في السعودية خلال الأسابيع الماضية، وعن إمكاناتها المستقبلية للهيمنة على فضاء التواصل الدولي في المجالات السياسية والاقتصادية وربما العلمية والمهنية، لكون الصين قوة عالمية بدأت تفرض شروطها على القوى المهيمنة في الوقت الحاضر. وقد بدأت الحكومة الصينية تعي هذا الموقع المتميز لهذه الأمة الصاعدة بقوة على المسرح العالمي، فاهتمت كثيرا باللغة الرسمية الأوسع استخداما في الصين، وقامت بإبراز موقعها في الدستور والتشريعات المحلية، اعتمادا على أنها لغة بلد يحتل عضوية دائمة في مجلس الأمن، وهي إحدى لغات العمل الست في الأمم المتحدة. يضاف إلى ذلك أنها ذات تاريخ طويل، وتمثل حضارة عريقة تمتد لآلاف السنين.

والجدير بالذكر أن عددا من الأمم قد سبقتنا إلى الاهتمام بتدريس اللغة الصينية، سواء في الجامعات أو التعليم العام. ففي أمريكا الشمالية هي اللغة الثالثة (بعد الإنجليزية والإسبانية في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد الإنجليزية والفرنسية في كندا)، وفي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تُدرّس في كثير من المدارس المتوسطة، وفي أستراليا تُدرّس أيضا في كثير من المدارس المتوسطة والثانوية وفي الجامعات. كما طبقت تدريسها منذ فترة طويلة في مناهج تعليمها العام بلدان مثل: روسيا التي تعد الدولة الثالثة في العالم الأكثر استخداما للغة الصينية، إضافة إلى بلدان شرق آسيا وجنوب شرقها، التي توجد فيها أيضا جاليات صينية كبيرة، ومواطنون من أصول صينية، مثل: كوريا الجنوبية وماليزيا وكمبوديا وبروناي وتايلند وفيتنام والفلبين وسنغافورة وغيرها من بلدان آسيا. وكذلك قامت بعض البلدان في قارتي إفريقيا وأمريكا الجنوبية بإدراج الصينية ضمن اللغات الأكثر حاجة للتعلم من أجل تمتين العلاقات مع العملاق الصيني، خاصة أن الصين بادرت إلى إنشاء علاقات اقتصادية جيدة مع كثير من مناطق العالم الثالث.

وبنظرة سريعة على الوضع الحالي للغات الأكثر استعمالا على وجه الأرض، نجد أن الإحصاءات الأخيرة عالميا من خلال المعاهد المختصة تشير إلى أن اللغة الأولى عالميا هي اللغة الإنجليزية في كثرة المتحدثين بها، وأن اللغة الثانية هي اللغة الصينية، وتقع اللغة الإسبانية في المرتبة الثالثة. لكن الطريف في الأمر أن الفارق بين الأولى والثانية لا يتجاوز خمسة عشر مليون متحدث، أي أنه أقل من 2 % من عدد المتحدثين بأي منهما. فعدد مستخدمي الإنجليزية قرابة مليار ومائة وثلاثين مليونا، بينما يصل مستخدمو الصينية إلى مليار ومائة وخمسة عشر مليون نسمة، في حين يستخدم الإسبانية أقل من نصف العدد لأي من اللغتين الأوليين.

لكن المشكلات التي تواجه اللغة الصينية في طريقها للانتشار، والحصول على الشعبية الكبيرة التي تحظى بها اللغة الإنجليزية حاليا، تتمثل في عدد من الخصائص اللغوية التي تتميز بها الصينية في النطق والكتابة. فهي لغة مقطعية، وتقوم دلالات وحداتها على المقاطع الصوتية وطريقة النبر فيها، وهذا يجعلها -رغم سهولة تعلم قواعدها- من اللغات التي تصعب إجادتها دون معاشرة أصحاب اللغة لفترة طويلة. وبما أنها لغة من أكثر اللغات تحليلية في العالم (إذ لا تتفوق عليها في ذلك إلا اللغة الفيتنامية)، فإن كثرة الوحدات الصوتية (من أصوات ونبر وتنغيم) ضرورة لتعويض قلة القواعد فيها.