هناك رياضات متعددة لدى المجتمعات البشرية المختلفة، وتنشأ في كل بيئة ولدى كل جماعة هوايات تتعلق بممارسات للتسلية أو المنافسة بين الأقران، ثم تتحول إلى ألعاب لها أنظمتها وشعبيتها في بعض الأحيان. وقد نشأت هيئات قومية وإقليمية ودولية لتأطير بعض تلك الألعاب وتنظيمها وإعداد منافسات محلية وإقليمية ودولية لها، وأشهر هذه الألعاب بالطبع هي كرة القدم، التي نشأت في إنجلترا، ثم انتشرت في بقية بلدان العالم حتى أصبحت اللعبة الأكثر شعبية في كل البلدان، والأقوى تأثيرا في اقتصادات الرياضة على الإطلاق.

لكن ما أتحدث عنه اليوم ليس نشأة رياضة من الرياضات في مكان ما ثم انتشارها إلى بلدان أخرى وعولمتها، بل عن جانب مظلم في بعض تلك الهوايات، التي ترسخ رغبات سلبية في العنف مثلا أو الإضرار بالناس وبالبيئة التي تمارس فيها أي من هذه الممارسات التي أصبح يُطلق عليها تجاوزا رياضات. فمن تلك الهوايات السلبية التي جرى تقنينها في الولايات المتحدة الأمريكية أولا هي (رياضة!) «الملاكمة»، وهي تقوم بالدرجة الأولى على الإضرار بالمنافس وإسقاطه أرضا، وسيكون الانتصار حاسما لأحدهما إذا فاز في المنازلة بالضربة القاضية، حيث لا يستطيع أن يقوم إلا بعد مضي الوقت المعد لإعلان هزيمته. وفي كثير من الأحيان ينتقل المهزوم بالضربة القاضية إلى المستشفى لعلاج آثار تلك المنافسة (الرياضية!)، ولمعرفة المنظمين المسبقة بأضرار هذه الهواية وممارستها، فإنهم يزودون كل لاعب بحماية من طاقم صناعي فوق أسنانه؛ لكيلا تتحطم أسنانه من ضربات الخصم القوية.

أما الهواية الثانية المرتبطة بالعنف، فهي مصارعة الثيران التي اشتهرت في إسبانيا بوصفها تقاليد قديمة من تراثهم. وفي حلبات المصارعة تلك يجري إطلاق الثيران في الحلبة التي يحتشد فيها الناس لمشاهدة ذلك النزال، ويقوم بعض الخيّالة برمي سهام في أكتاف الثيران؛ لكي تضعف قوتها. ثم يأتي المصارع (البطل) أو ما يُطلق عليه «التوريرو» بقماش أحمر بين يديه يثير به الثور لينطلق نحو المصارع من أجل نطحه بقرنيه، لكن المصارع يلف القماش إلى جواره، فيصدم الثور القماش في الهواء. وهكذا تتكرر المصارعة الهزلية إلى أن يُنهك الثور من جراء جروحه التي تنزف، ثم تخور قواه قبل أن يُذهب به إلى مسلخ يُذبح فيه.

وفي رياضة مقننة جديدة، شاهدت عرضا أوروبيا لممارسات التفحيط بالسيارات، بوصفها هواية تحولت إلى رياضة. وقد حزنت لما ركّز عليه التقرير، من أن الجمهور يرغب في سماع صرير العجلات القوي، ورؤية الأدخنة العالية المنبعثة من السيارات المشاركة في المنافسة، وكذلك يستمتع هذا الجمهور باصطدامها بجدران مضمار التنافس الشرس الموحش. فأي رياضة يمكن أن تنشأ عن هذه الممارسات، وأي روح تنافسية يمكن زرعها في الشباب الذين يتنافسون للحصول على ألقاب بطولة هذه الرياضة؟ الأدهى من كل ذلك أنها تقام في بلدان تقع في شمال أوروبا، أكثر بقاع العالم تحضرا. فهل يعمي بريق الذهب والميداليات والشهرة عيون الناس عن الأضرار البدنية والبيئية التي تحدث نتيجة تلك الممارسات؟ وهل سنرى شبابنا الذين تلاحقهم السلطات الأمنية نتيجة تسببهم في وفيات الناس جراء ممارسة تلك الهواية، وانقلاب السيارات واتجاهها نحو الجمهور، وهم يتجهون إلى المشاركة في مثل تلك المنافسات بعد تقنينها في بلدان يفترض أنها أكثر تحضرا؟