طاقة مهدرة طالما استهنا بها وتجاهلناها، وقلما انتبهنا إلى نتائجها المبهرة في حاضرنا ومستقبلنا.. أتحدث عن الخيال الذي نتطلع من خلاله إلى طموحاتنا وأحلامنا، وآمالنا في الحياة.

وقد يعتقد البعض أن الخيال ممارسة غير عقلانية، مرتبطة بمرحلة الطفولة وأحلام اليقظة أو متعلقة بالوساوس والشياطين والأوهام الكاذبة في النفس، لكن هذه الصفات تحدث عادة عند غياب التوجيه أو سوء الاستخدام.

بوسعنا أن نجعل من الخيال نافذة إلى المستقبل ومسلكا جديدا لحل المشكلات وتفهم مواقف الآخرين، والتفكير الإبداعي في البدائل غير المألوفة.

والإنجازات البشرية كانت في يوم من الأيام أحلاما عند أصحاب الخيال المتألق ثم تحولت إلى وقائع حقيقية.

ويعنيني هنا أن أتناول استثمار الخيال كأداة تعليمية مؤثرة، وقد بادر الباحثون الغربيون في تطوير نماذج للتعلم التخيلي، ولعل أبرزهم في هذا المجال هو ايجان «Kieran Egan». ولم يتوقف الأمر في تطوير تلك النماذج التعليمية الجديدة على العلوم «الأدبية» كالفلسفة والشعر والقصص، بل تجاوزتها إلى العلوم التجريبية ذاتها.

ويعد الخيال رافدا كبيرا للمعرفة بجوار معطيات الواقع، حيث لا يتقوقع الخيال عند حدودها، بل يطورها ويبني عليها ليكون واقعا جديدا.

يقول العالم الكبير ألبرت أينشتاين Albert Einstein: «الخيال أهم من المعرفة، بالخيال نستطيع رؤية المستقبل».

هذه الملكة التخيلية تحتاج إلى تنمية وتوجيه من خلال تهيئة بيئة حاضنة تقودها في الاتجاه الإيجابي، والطلبة يمارسون نوعين من التخيل، الأول هو التخيل المشتت الذي يقود الطالب إلى أحلام اليقظة، والثاني هو التخيل الإبداعي الذي يقود الطالب إلى رسم لوح فني أو إبداع قصيدة أو حل مسألة أو ابتكار جهاز.

الخيال Imagination كما عرفة إيجان (Egan) هو المقدرة على التفكير في الأشياء كما لو أنها من الممكن أن تكون كما تتخيلها، وهو عمل قصدي للفعل، وهو مصدر الجدة، والحداثة والإنتاجية أو التكوينية، وتعتبر قدرتنا على تكوين الصور عاملا مشتركا في استخدامات التخيل.

ومن مزايا التعلم التخيلي أنه يحفز الطالب على المشاركة الفاعلة، تقوده إلى اكتشافات وطرق جديدة، كما أن التعلم التخيلي تعلم إتقاني لأننا نعيش الحدث ونستمتع به، كما أنه ينشط الجانب الأيمن من الدماغ إضافة إلى الجانب الأيسر، فضلا عن إتاحة متعة حقيقية للمتعلمين يتم تطبيقها من فترة لأخرى لتضفي نوعا من التغيير على تدريس المادة يثير دافعية المتعلمين للتعلم بتغيير الروتين المعتاد.

وليمارس المعلم خطوات تنفيذ إستراتيجية التخيل الموجه عليه أن:

1- يبدأ بتهيئة المتعلمين بتعريفهم بنشاط التخيل وبيان أهميته في تنمية قدرات التفكير لديهم، وطلب الهدوء والتركيز ومحاولة بناء صور ذهنية لما سيستمعون إليه.

2- يقوم بطرح عدد من الأسئلة على المتعلمين ويطلب منهم الحديث عن الصور الذهنية التي قاموا ببنائها أثناء التخيل.

3-يسمح لطلابه بكتابة قصة أو رسم الرحلة التخيلية التي عايشوها، يعبرون فيها عن الصور الذهنية التي مرت عليهم في أثناء رحلتهم التخيلية.

وفي تراثنا الإسلامي أمثلة لاستخدام التخيل في الإرشاد النفسي والديني فكان بعض السلف يمارس عملية التخيل من أجل أن يعظ نفسه كما فعل إِبراهِيمُ التيمِيُ حيث قال: «مثلتُ نفسِي فِي الجنةِ آكُلُ ثِمارها، وأشربُ مِن أنهارِها، وأُعانِقُ أبكارها، ثُم مثلتُ نفسِي فِي النارِ آكُلُ مِن زقُومِها، وأشربُ مِن صدِيدِها، وأُعالِجُ سلاسِلها وأغلالها، فقُلتُ لِنفسِي: أي نفسِي، أيُ شيءٍ تُرِيدِين؟ قالت: أُرِيدُ أن أُرد إِلى الدُنيا، فأعمل صالِحا، قال: قُلتُ: فأنتِ فِي الأُمنِيةِ، فاعملِي».

ختاما أعجبتني مقولة الكاتب الإنجليزي كولن ويلسون Colin Henry Wilson «الخيال الجيد لا يستخدم للهروب من الواقع وإنما لإيجاده».