أوضح إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ د. صالح بن حميد، أن الأعراف الصالحة، والعادات المستقيمة تعزز الشعوب، وتقويها، وتشد منها. والعادات السيئة والأعراف المنحرفة تضعفها وتحرفها، والتقليد الأعمى للآباء والأسلاف يضلها ويزعزعها، وقد جاء الإسلام بالتحذير والتنفير من الأعراف السيئة، والعادات المستقبحة، والجمود على ما عليه الأسلاف، والتمسك بما عليه الآباء والأجداد تبعية عمياء، وتعطيل للعقول والأفهام، وحرمان من الحرية البناءة وأعراف سيئة تكلف الناس المشقة، والعنت، وتستنزف منهم الجهد، والمال، والوقت، يلزمون بها أنفسهم إرضاء لغيرهم، واتقاء لنقدهم، يتكلفون ما لا يطيقون، ويفعلون ما لا يحبون، وينفقون وهم كارهون، فكيف إذا كانت عاداتٍ وأعرافا مخالفة للشرع، ضارة بالصحة والعقول، مسيئة للأخلاق والقيم.

وأبان أن الأعراف تنشأ من البيئة، ونظم الحياة الاجتماعية، جودة ورداءة، وغنى وفقرا، وعلما وجهلا، واستقامة وانحرافا، ففي الحياة الطيبة تتولد أعراف مجيدة، ومن الحياة الرذيلة تنشأ عادات سيئة مرذولة، فعادات كل مجتمع تعبر عن حاله، استقامة وانحرافا، وانفتاحا وعصبية، فالصلاح ينتج عادات صالحة، والجهل ينتج عادات جاهلية وكلما حسُن تدين المجتمع، واستقامت تربيته، وارتقت ثقافته، وازداد وعيه ارتقى في عاداته وأعرافه، وقلت فيه العادات السيئة.

وأضاف في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بالمسجد الحرام: تنشأ العادات وتتولد من معان كريمة، وأخلاق رصينة، وقيم عالية، وكرم وشهامة، تورثها عقائد مستقيمة، وتدين صحيح، ورجال كرام، ومبادئ في الصلاح راسخة، مما ارتضته النفوس السوية في أمور معاشها، ومكاسبها، وعلاقاتها، كما قد تنشأ العادات من سلوكيات منحرفة من الخرافة، والظلم، والعصبية، والاستكبار، والتسلط، والجاهلية والعادات، والأعراف، والتقاليد، تعبر عن حياة الناس، وتجارب المجتمعات خلال مسيرة تاريخهم الحافل بالأحداث والمتغيرات والتطورات وللعادات تأثير بليغ، فهي تبني وتهدم، وترفع وتخفض، وتجمع وتفرق. وأضاف: العادات سلوك اجتماعي، يسير عليها الناس ويبنون عليها تصرفاتهم في الأحداث، والمواقف، والمناسبات، والأفراح، والأتراح، وتجري عليها أساليبهم في أقوالهم، وتعاملاتهم، وما يأتون، وما يتركون، في المآكل، والمشارب، والمساكن، والمراكب، واللباس، والغذاء، والحديث، والألفاظ، والتصرفات، والخطط والأنظمة، والمعاملات، والبيوع، والإجارات، والأوقاف، والأيمان، والنذور وغيرها مما تقتضيه حوائج الناس، وتدفع إليه مسالكهم، في التدبير، والإدارة، والإصلاح وكذلك الحال في أعراف الألفاظ والحركات في تبادل التحايا والترحيب مع ما عليه أهل الإسلام من إفشاء السلام كما تبرز مع الأعراف بعض المعاني الكريمة، والقيم السامية، من إكرام الضيف، ومساعدة المحتاج، وعون الغريب، وإغاثة الملهوف.

وأكد فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام أن تشريع الإسلام جاء في أحكامه بمراعاة أحوال الناس وعوائدهم المستقرة، وأعرافهم السائدة مما يلبي مطالبهم ومصالحهم بل إن هذا مما تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- للناس يسيرون فيه على ما يصلحهم ما دام أنه لا يعارض شرعا، ولا يقر ظلما، فهو داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» أخرجه أحمد، ومسلم، وابن ماجة. والقاعدة في ذلك أن كل ما تعارف عليه الناس واعتادوه وساروا عليه، ولم يكن فيه حكم شرعي مقرر فإنه يوزن بميزان المصلحة الشرعية بعيدا عن الأغراض، والعصبيات.

وبين د. ابن حميد أن في رعاية الأعراف رعاية لمصالح المسلمين، والشريعة مصلحة كلها، ورحمة كلها، ومن مصالح الناس أن يقروا على ما ألفوه وتعارفوا عليه تيسيرا لهم، ورفعا للحرج عنهم، وأحكام الشرع ارتبطت بحياة الناس ومصالحهم وبظروفهم، ولذا فكثير من الأحكام الاجتهادية ارتبطت بالأعراف، والعوائد والأعراف، والعادات، تتغير وتتبدل وتتطور مع تطور المجتمعات، وتغير الثقافات، وانتشار التعليم، فيقبل ما لم يكن مقبولا، ويرفض ما كان مقبولا، فهي تتغير حسب الزمان والمكان، والأحوال، وطبائع الأمم، وأخلاق الشعوب.

ودعا فضيلته إلى التأمل في بعض عادات المجتمعات السيئة في الزواج، والولائم، والمآتم، والمجاملات، في تكاليف باهظة، ونفقات مرهقة، بل ديون متراكمة، ومن ثم يكون التواصل والتزاور وإجابة الدعوات عند هؤلاء هما وغما، بدلا من أن يكون فرحا وسرورا، فالتزاور للأنس، والمباسطة، ولذة المجالسة، وليس للمفاخرة، والتكلف، وإظهار الزينة، والتفاخر، والتباهي مما يجعل الحياة هما، وشقاء، وعبئا ثقيلا.