ظهر مصطلح «القوة الناعمة» أول ما ظهر عبر البروفيسور في هارفارد جوزيف ناي عام 1990م، وذلك من خلال كتابه الشهير «بلد قدرُه القيادة»، وهو المصطلح الذي بات يستخدم اليوم كثيرا في الشؤون الدولية من خلال المحللين السياسيين على أنه المعادل الموضوعي للقوة الخشنة التي تمثلها القوة العسكرية، ويعني تحديدا استخدام الموارد المدنية والمجتمعية للتأثير في الآخرين، ودفعهم لقبول ثقافة هذه الدولة أو تلك، وبالتالي قبول أسلوبها، واطرادا حضورها في حياتهم، وهو تأثير خطير وعميق لأنه يقوم على الإعجاب وليس على الإكراه، مما يجعل انتزاعه أمرا بالغ الصعوبة، وقد ظلت الولايات المتحدة تسود العالم حتى في تلك المراحل التي تعرضت فيها إلى بعض حالات الضعف عسكريا أو اقتصاديا، لأنها تصرف على زعامتها في حال ضعفها أو قوتها من رصيدها الكبير من القوة الناعمة، وليس في الأفق المنظور ما يهدد احتفاظها بقوتها هذه على المدى المنظور، رغم كل ما يقال عن قدوم التنين الصيني، والذي لم يحسن حتى الآن استخدام قواه الناعمة بشكل مؤثر في دعم انطلاقته الاقتصادية والتكنولوجية، حيث تظل أمريكا على رأس قائمة القوة الناعمة ليس في وادي السيليكون وحده وإنما حتى في «يونيفرسال»، تليها ألمانيا، ثم فرنسا وبريطانيا واليابان وسويسرا وأستراليا والسويد وكندا. وهنالك دول على الطريق في استخدام هذه القوة المؤثرة نأخذ منها الهند على سبيل المثال، التي اشتغلت عبر سينما بوليوود على بث ثقافتها وفنونها للتأثير في الآخرين، والتجارب أكثر من أن يمكن حصرها، ولا تزال الكثير من الدول تتسابق عبر هذه القوى الروحية والمعنوية ومبادئ حقوق الإنسان والثقافة والفنون بأنواعها من المسرح إلى السينما إلى الأغنية والمسلسل بغية فرض الإعجاب، وصولا إلى تقديم المساعدات الأجنبية، وإعادة الإعمار والتنمية الاجتماعية كل هذا من أجل صناعة التأثير في الآخرين.

وقد جاء على لسان أحد الضباط الأمريكان أثناء احتلال العراق أنه قال: إننا لم نواجه مقاومة تذكر في المدن العراقية التي تتواجد فيها مطاعم ماكدونالد، ومقاهي ستار بوكس، بقدر ما كانت المواجهات الأعنف في مدن كالفلوجة والتي لم تتوافر بها مثل هذه المتاجر الغربية!، وهو ملحظ إن صح فإنه يعكس مدى تأثير القوة الناعمة حتى في الغذاء. لكن ما أريد أن أصل إليه هو السؤال عما إذا كان يجوز أن تُستخدم القوة الناعمة كأدوات حرب؟.

في تقديري إن تحويل القوة الناعمة إلى سلاح أو أدوات حرب إنما هو ضرب نهائي لدورها وتأثيرها، وتفريغ لها من محتواها، قد تكون نتائجه عكسية تماما، لأن وظيفتها في الأساس أنها وسائل تأثير وليست وسائل مواجهة!.