تقبل علينا إجازة منتصف العام وهي - على قصرها - فرصة لترويح يجدد النشاط لدى أولادنا دون انقطاع طويل عن تعلمهم، ويحقق الاستجمام الذي يستعيد الحيوية للعمل من جديد.

والخبراء يصفون الترويح بأنه انطلاقة نشطة، فيؤكد «رومني Romney» أن الترويح هو نشاط ومشاعر ورد فعل عاطفي، وأنه سلوك وطريقة لتفهم الحياة. وكذلك يرى كل من «جراي Gray» و«جريبن Greben» أن الترويح يعد حالة شعورية تنتاب الفرد نتيجة لإحساسه بالوجود الطيب في الحياة بالرضا، وأن الترويح يتصف بالمشاعر المرتبطة بالإجادة، الإنجاز، الانتعاش، القبول، النجاح، القيمة الذاتية، السرور، والتدعيم الإيجابي لصورة الذات Self image، كما أنه يعد من المناشط المرتبطة بوقت الفراغ والمقبولة اجتماعيا.

وتتجلى أهمية الترويح في تنمية الشخصية الإنسانية المتكاملة، واكتشاف الحياة بمنظور التفاؤل، وإثراء الحياة الفردية والحياة الأسرية، وتجديد نشاط وحيوية الفرد، وإشباع الميول والدوافع المرتبطة بالترويح، وتحقيق التوازن النفسي والتخفف من روتين الحياة، إلى جانب تنمية الخبرات الحياتية والمواهب والقدرات.

لكن الترويح في واقع الممارسة يختلف ارتقاء وهبوطا في مشاركات الأفراد، وقد رصدها الباحثون وصنفوها إلى مستويات متباينة.

فيوضح «ناش Nach» مستويات المشاركة وفقا لما يلي:

المستوى الأول: ويتضمن المشاركة الابتكارية Creative participation في العديد من المناشط والتي تتيح للفرد الابتكار والإبداع في أدائه وأهمها: التأليف، الابتكار، النماذج والتصميمات، العروض.

المستوى الثاني: ويتضمن المشاركة الإيجابية والتي تتيح للفرد المشاركة الفعلية في النشاط وتحقيق التنمية الذاتية للفرد، ومن أهمها: المباريات والمسابقات الرياضية، الخدمات البيئية، والرحلات، الرسم.

المستوى الثالث: ويشمل المشاركة الوجدانية EMOTIONAL والتي تسمح بالمشاركة الوجدانية للفرد من خلال الاستمتاع وتتمثل في: قراءة القصص، ومشاهدة البرامج والمسابقات الرياضية، زيارة المعارض والمتاحف.

المستوى الرابع: وتتضمن المشاركة السلبية، تقف عند حدود (الفرجة) واللهو ومن ثم فإن ذلك المستوى لا يرقى إلى درجة التأثير الانفعالي أو الوجداني في الفرد، ومنها التسلية والثرثرة والتسكع.

المستوى الخامس: يشمل المشاركة التي تلحق الأذى أو الضرر بالفرد Harmful to Self وذلك: كالإدمان للمخدرات، وممارسات العادات السيئة.

المستوى السادس: ويشمل المشاركة الضارة التي تلحق الأذى بالمجتمع Harmful to Society وذلك: كارتكاب الجرائم، وإتلاف الممتلكات.

وعلينا أن نسعى إلى ترقية مستوى مشاركتنا في الترويح في صوره الابتكارية والإيجابية والوجدانية ووقاية أنفسنا وأولادنا من السقوط في أدنى مستوياته.

وهذه يتطلب تكريس مفهوم ثقافة الترويح في تجديد الحياة في أبعادها الروحية والعقلية والنفسية والمجتمعية، وضبط ممارساته في إطار أهدافه الإيجابية.

لقد علمنا الإسلام معنى توازنات الحياة، واعترف بسائر الحقوق، كما عبر عنه سلمان في قوله لأبي الدرداء رضي الله عنهما: (إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه)، وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا النهج بقوله: (صدق سلمان) صحيح البخاري ٦١٣٩.

والأصل في الترويح الإباحة انطلاقا من البيان النبوي: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نسيا، ثم قرأ هذه الآية: {وما كان ربُك نسِيا} [مريم: 64] رواه الطبراني وحسنه الألباني، وقد وضع القيم والضوابط التي تجعل الترويح في أفضل مستويات المشاركة الهادفة.