قد يبدو العنوان غريبا على بعض القراء؛ لكن تتلاشى الغرابة عندما يتضح المراد من التعلم المقلوب، باعتباره أسلوبا تعليميا عاد مجددا بقوة وأصبح الفكرة الرائجة هذه الأيام مع تطور أدوات التقنية والاتصالات، وإن اختلف الباحثون بشأن مسمياتها (التعلم المعكوس أو المقلوب) أو (الفصل المقلوب).

في التعلم الاعتيادي أو التقليدي يقوم المعلم بسرد مطول لشرح الدرس ويستمع الطلاب إليه ثم يكلفون جميعا بواجبات بيتية دون مراعاة للفروق الشخصية للطلاب، أما في نموذج «الفصل المقلوب» فيقوم المعلم بإعداد ملف مرئي أو مسموع يشرح المفاهيم الجديدة ليطلع عليها الطلاب قبل الحضور إلى الصف. وفي هذه الحالة يأتي الطلاب إلى الفصل ولديهم الاستعداد لتطبيق تلك المفاهيم، ومناقشتها والمشاركة في الأنشطة الصفية، وحل المسائل التطبيقية بدلاً من الاكتفاء بسماع شرح المعلم.

فمفهوم التعلم المقلوب Flipped Learning يشير إلى الانتقال من بيئة التعلم المتمحور حول المعلم إلى بيئة التعلم المتمحور حول المتعلم، وتحول من إستراتيجية التعلم الفردي إلى إستراتيجية التعلم التعاوني، وإنجاز الأنشطة التعلمية أثناء الحصة الدراسية مع التركيز على جهد الطالب.

في كتاب صدر حديثا عن كلٍ من جوناتان بيرجمان وآرون سامزBergmann and Sams بعنوان «التعلم المقلوب: بوابة لمشاركة الطلبة» يعرف الكاتبان التعلم المقلوب بأنه تحول الطاقة والجهد من المعلم إلى المتعلم ومن ثم الاستفادة من الأدوات التعليمية لتعزيز بيئة التعلم.

وبهذا يقضي الطلبة وقتهم بحل المشكلات والإبداع والنقد والتحليل والتركيب في الفصل مع زملائهم ومعلمهم.

وبوسع كثير من المعلمين يمكن أن (يقلبوا) فصولهم من خلال تكليف الطلاب بقراءة الكتاب خارج الفصل أو مشاهدة مقطع فيديو تعليمي للدرس الذي يهدف المعلمون إلى تقديمه لطلابهم.

ويتحقق في هذا الأسلوب التعليمي المزايا التالية:

- اكتساب الطلاب معارف وحقائق قبل الدخول إلى الفصل، وذلك من خلال قراءة كتاب مدرسي وعرض مقطع فيديو وتسجيل صوتي رقمي.

- توفير أسلوب لتقييم فهم الطلاب، من خلال ما يقدمه المعلم لهم من الأنشطة التي يحتاجونها وأيضا الاختبارات القصيرة وأوراق عمل كلها أساليب تقييم الطلبة.

- التركيز على الأنشطة التي تحفز مستوى التفكير العالي، فالطلبة بعد اكتسابهم معارف خارج الفصل يحتاجون إلى تعزيز تعلم أعمق في الفصل من خلال الأنشطة التي تحقق الأهداف التعليمية.

ومن خلال رصد أساليب التعليم النبوي نلاحظ أنها لم تكن تتضمن شروحا طويلة بل فيها من القصد والإيجاز مخافة السآمة على المستمعين، مع طرح الأسئلة، كما في هذا الموقف الذي يقصه أُبَي بْنِ كَعْبٍ - رضي الله عنه - حيث قال له رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ: أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ قُلْتُ {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ)) رواه مسلم.

فالرسول - صلى الله عليه وسلم -هنا سأل عن أعظم آية، ولم يكتف بقول كعب (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)، فأعاد عليه طرح السؤال، ثم عزز إجابته بمعزز لفظي وغير لفظي كما في الحديث.

فما رأيك في أن تجرب هذه الفكرة بعد الاطلاع على إجراءاتها؟ وستكتشف أن (الفصل المقلوب) استرد لك وقتاً تعليمياً ثميناً يمكن أن تستخدمه في تعميق التعلم لدى طلابك، وتعزيز مشاركتهم بسبب اتصالهم واحتكاكهم بالمعلومات، وظهور بيئة غنية للتعلم التعاوني.