«اختصمت امرأتان في طفل وليد، وذهبتا إلى نبي الله سليمان عليه السلام، فقال لهما: ما دامت كل منكما تدعيه لنفسها فإني سآمر بشطره نصفين، فتأخذ كل منكما نصفا، وأمر بالسيف، فصاحت إحداهما فزعاً: كلا! دعه حياً ولتأخذه هي، وسكتت الأخرى، فقال سليمان عليه السلام: لا! بل تأخذينه أنت لجزعك عليه وسكوتها».

من يلتزم بدينه ظاهرياً فقط، بينما أفعاله وأقواله وعلاقاته تخالف هذا الالتزام الظاهري، علاقته بالتدين كعلاقة المرأة الثانية بالوليد.

ومن لا يتوقف كلامه عن حبه لوطنه وهيامه به، بينما هو لا يقدم لوطنه غير الكلام، بل قد يكون مؤذياً، يسهم في تدمير وطنه بممارساته ومخالفاته، والتدخل فيما لا يعنيه، هو كالمدعية الثانية.

والموظف أو المدير الذي لا يتوقف عن الحديث عن الرقي بالمؤسسة، بينما هو طوال تاريخه المجيد لم يقدم أي عمل أو مبادرة تستحق، وعلاقته بالمؤسسة حسب خارج الدوام والانتداب، إن أعطي رضي وإن لم يعط إذا هو من الساخطين، حبه لمؤسسته وسعيه لتطويرها مجرد ادعاء.

ومن يتكلم عن الأبوة ودور البيت المحوري، بينما أغلب وقته في الاستراحة، ومسؤولية البيت يلقيها على الزوجة وإخوانها، هو مدع للأبوة وحبه لأولاده ليس حباً حقيقياً حتى ولو ملأت صورهم جواله.

وأيضاً من تتكلم عن التربية وتنظّر في ذلك، بينما مستويات وتصرفات أبنائها تدل على أنهم آخر اهتماماتها، هي مدعية ولو اشترت لهم أفضل الماركات.

هناك أيضاً مدعو كرم شوهوا الكرم بالهياط، وهناك مدعو شجاعة يبحثون عن الشر والأذى ثم بعد ذلك يرجون ويتوسلون.

ظاهرة الادعاء موجودة من زمن سليمان عليه السلام وستظل موجودة ما بقيت البشرية، وعلاجها الأساس من وجهة نظري هو وعي المجتمع، بتعرية المدعين وعدم الوقوع في أسر المجاملات القاتلة، ولا تعني هذه التعرية سوء الأدب، بل اختيار الأسلوب المناسب الذي لا ينال معه المدعي تقديراً لا يستحقه، وما يطمئن أن القاعدة الثابتة التي لم تتغير منذ بداية التاريخ: ما ينفع الناس يمكث في الأرض وأما الزبد فيظهر قوياً ولكنه سرعان ما يذهب جفاءً.