مركزية المتعة والحقوق في حياة شباب الجيل الجديد! تحدث عن خطورة هذا الأمر على المجتمع الغربي - والذي نتأثر به نحن - أحد أكثر العلماء النفسيين تأثيرا هذه الأيام الدكتور جوردن بيترسون - عالم النفس الكلينيكي الكندي - والذي أصدر مؤخرا كتاب «12 Rules of Life» تحدث فيه عن خطورة مركزية المتعة والـ«أنا» في حياة الشاب الغربي وطغيان قيمة الحقوق الشخصية في فهمه لقيم الحرية. حيث نوه بيترسون إلى ارتفاع معدل الكآبة، بل والانتحار، بين الشباب رغم امتلاكهم لحقوق ورفاهية لم يحلم بها أسلافهم. وعزا بيترسون ذلك إلى انتفاء شعور الشاب بقيمة نفسه وأهميتها. فالرفاهية والمتعة قد تضفي سعادة على حياته، ولكنها لا تمنحها قيمة ومعنى. السعادة الحقيقية في تحمل المسؤولية والتي أهمل قيمتها المربون في مقابل قيم أخرى مثل: الحرية والمساواة، التي لا تعلوها أهمية. باختصار، يقول بيترسون إن الحل السهل الممتنع للقضاء على كآبة الشاب هو إعادة تمركز تحمل المسؤولية في حياته في مقابل الحقوق والمتعة. يزعم بيترسون أن الجيل الغربي مسكين رغم رفاهيته؛ لأن عليه أن يتعلم هذه الحقيقة من جديد، وأن يقاوم إدمانه الجديد للانكفاء على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تروي عطش نفسه للقيمة والأهمية، من خلال جرعات مركزة من التقدير الفوري و«اللايكات» تماما مثل المخدرات والعياذ بالله.

عليك فقط أن تذهب إلى «تويتر» أو «انستغرام» لترى كمية العبارات الكئيبة والشعارات المحزنة التي تتلطخ بها حسابات شباب في عمر المراهقة، لتعلم أن التأثير قد بدأ فعلا. وأن التهديد على وشك أن يطرق أبواب الواقع. التحدي على المربين والعاملين مع الشباب تحديدا هو في استخراجهم من ضجيج هذه القنوات المشتتة لتركيزهم. التحدي هو أن الشباب الذي أدمن التقدير الفوري من الأصدقاء الوهميين يحتاج إلى استثمار وقتي وعاطفي أكثر من قبل ذويهم ومن يعمل لأجلهم. التحدي هو الصبر عليهم ولهم ومعهم ليجدوا نتائج أعمالهم ذات القيمة الحقيقية، والتي قد يطول أمدها حتى ترى النور، ولكن ما أن يروا تلك النتيجة إلا وسيعلمون ما هي السعادة الحقيقية. متعة الراحة لا تأتي إلا بعد تكبد التعب. ولذة جميل الأيام لا تأتي إلا بعد ألم قبيحها.

إذن، التهديد الأكبر على دور الشباب في تنمية مجتمعاتهم هو مركزية المتعة والحقوق في حياتهم في مقابل المسؤولية والعطاء. ولكن، ما هي نقطة القوة الواحدة إذن؟ هي نقطة نحن نمتلكها وهم لا يفعلون.

في خضم الضجيج، يشعر الشاب بالوحدة. ولقلة الإيمان بالله ولضعف حضور الوازع الديني في حياة الشاب اليوم، يجد نفسه وحيدا ضد الكون، مثله مثل أي شاب في المجتمع الغربي. لأن الحقيقة المرة هي أن الحياة صعبة، لم تكن سهلة يوما. (خلق الإنسان في كبد) الذي حدث هو أنه، ومن خلال هذه التقنية، وجد الشاب طريقا سهلا لنسيان صعوبتها. وجد مخدرا جديدا لنقله إلى عالم وردي موازٍ ولو لحين. وكل مرة يعود إلى هذه الحياة ويرتطم بأول عائق، شغل مسلسلا أو شاهد سنابا ليؤجل تعامله مع الواقع.

وجد بيترسون الحل لهذا الموضوع في إعادة مركزية تحمل المسؤولية لحياة الشاب كما أسلفنا وبالتالي سعادة حقيقية. ولكنه اعترف بصعوبة الأمر؛ لأنه يتطلب تضحية من الشاب والمربي أو العامل معه على حد سواء.

نحن لدينا نقطة قوة تعيننا على هذه الصعوبة: إيماننا بالله. لأننا بذلك نؤمن أن التضحية مأجورة وأن المتوكل معان وأن الشاكر يزاد.

قال عليه الصلاة والسلام: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرا له.

iamalbassam@