ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه أخبار الحمقى والمغفلين «قال بعضهم: مررت ببعض دور الملوك، فإذا أنا بمعلم خلف ستر قائم على أربعة ينبح نبح الكلاب، فنظرت إليه فإذا صبي خرج من خلف الستر، فقبض عليه المعلم، فقلت للمعلم: عرفني خبرك، قال: نعم، هذا صبي يبغض التأديب ويفرّ ويدخل إلى الداخل ولا يخرج، وإذا طلبته بكى، وله كلبٌ يلعب به، فأنبح له فيظن أني كلبه ويخرج إلي!».

بعد مئات السنين من معلم ابن الجوزي تطورت الأمور، فلم يعد المعلم أو الإنسان بصورة عامة يطالب نفسه بما لا يستطيع فيضعها فيما لا يليق، بل وصلت الحال إلى أن الآخرين هم من يطالبون بذلك، ومن لم يستطع إلى ذلك سبيلاً فعليه أن يتحمّل اتهامه بالفشل، وقد يصل إلى الطعن في الوطنية، أو حتى الخروج من الدين!

هناك من يطالب المعلم بأن يقوم بما يستطيع وما لا يستطيع حتى يفهم جميع الطلاب وإلا فهذا المعلم فاشل!

وهناك من يطالب الموظف بأن يجيب كل طلب من طلباته، وبابتسامة مشرقة، وإلا فلدى هذا الموظف خلل يجب أن يُحاسب عليه!

وهناك من يطالب الابن بأن يكون مثل ابن فلان، وأن يكون أحد عباقرة الزمان، حتى ولو لم يكن يملك من القدرات إلا ما ورثه عن والده!

وهناك من يطالب الزوجة بأن تكون ملكة الجمال، وسيدة المطبخ، وخبيرة التربية، وألا تنقل له أي مشكلة أو تطلب منه أي طلب!

وأيضاً من الزوجات من تسعى إلى فارس الأحلام «السوبرمان»، وإلا حوّلت مجالس زميلاتها وقريباتها للشكوى من الزمان وتغير الرجال!

المشكلة في البعد عن الواقعية أنه يفشل كل مشروع، ويُخسر الأحبة، ويدمر المتميزين!

والحل أن نكون واقعيين، ليس بالنزول في المعايير، بل بتحليل الواقع، ووضع الأهداف والمتطلبات في ضوء هذا الواقع.

«فاتقوا الله ما استطعتم» هذا ما قاله رب العزة والجلال، والسؤال الذي يجب أن يكون حاضراً على الدوام: ما استطاعتي؟ فكما أن تجاوزها دمار، فإن النزول عنها خطيئة!.