مغسلات موتى لـ «اليوم»: نظرة المجتمع بأننا «مرعبات» غير صحيحة

مغسلات موتى لـ «اليوم»: نظرة المجتمع بأننا «مرعبات» غير صحيحة

الاحد ١١ / ١١ / ٢٠١٨
الصورة النمطية للمجتمع عن مغسلات الموتى بأنهن مخيفات وقساة القلوب نتيجة المهنة التي يعملن بها يبدو أنها نظرة غير صحيحة، فمن يقترب من المغسلات يجدهن خلاف ذلك بل إن تعرضهن للعديد من المواقف المتعلقة بطبيعة عملهن جعلهن يتمتعن بقدر كبير من الرقة والمشاعر.

زارت «اليوم» جامع الفرقان بالدمام والتقت بالمغسلات في جو ألفة ومحبة وتعرفن على شخصياتهن الدافئة الحنونة، واكتشفنا خلال لقائنا معهن صورة مغايرة للصورة النمطية عنهن.

أقدم مغسلة

قالت هند السعد، أقدم مغسلة وبلغت مدة عملها 27 عاماً، إنها كانت تدرس خلال أزمة الخليج التمريض في مستشفى الجبيل البلد وتركت دراستها لتعمل مغسلة، واصفة تجربتها الأولى التي كانت مع أمها بالخوف والرهبة، ثم أحبت هذه الوظيفة فهي قربتها أكثر من الله، وتشبه وظيفتها بالأم الناصحة التي تنصح ابنتها وتجعلها تفكر في الله دائماً وتضع مراقبته أمام عينيها، وعملت متطوعة في المغاسل ثم أصبحت وظيفة رسمية لها، حتى أصبحت مشهورة وتُطلب بالاسم في المغاسل، موضحة أن هناك نظرة سلبية من المجتمع وأن جيرانها القاطنين حديثاً كانوا ينفرون منها ولا يأكلون مما تصنعه لأنها مغسلة مقارنة مع جيرانها القدامى الذين تقبلوا وظيفتها واعتادوا ذلك.

وظيفة حكومية

عائشة عبدالله (أم ليلى) مغسلة أموات لمدة 25 عاماً فقد كان والدها مغسلاً أيضاً، تقول: عُرضت عليها وظيفة حكومية براتب يبلغ 9 آلاف ريال، وحبها وظيفتها مغسلةً جعلها ترفض أن تستبدل بها أي وظيفة، مبينة أن فكرة المغسلات قلوبهن قاسية، هي فكرة خاطئة فهن يشاهدن مناظر تدمع لها أعينهن وخاصة عند غسلهن الأطفال واليافعين، ويبكين مع أهل الميت تعاطفاً معهم.

مصدر دخل

هند (أم عبدالله) تحكي قصتها وتقول إنها كانت تمر بظروف صعبة واحتاجت لمصدر دخل وكانت تبحث عن وظيفة، وعلمت أن أخت زوجها توظفت ورشحتها للوظيفة معها وعندما سألتها عن طبيعة العمل قالت لها مغسلة أموات، صعقت ورفضت فهي لم تر مسبقاً شخصاً ميتاً ولم تدخل مغسلة أبداً، وبعد تفكير قررت أن تخوض التجربة لأنها بحاجة ماسة للوظيفة.

وتابعت قولها: إن أول زيارة لها للمغسلة بعد مباشرتها للوظيفة كانت فقط ترى المغسلات وتتعلم، وبعد عودتها للمنزل لم تستطع النوم كانت تشعر بضيق في التنفس وذهبت للمستشفى وأخبرها الطبيب أنها تعرضت لصدمة مما رأته وقلبها ضعيف، وطلب منها زوجها ترك وظيفتها لكنها رفضت، وواصلت عملها بدعوات أمها فهي مغسلة منذ 10 سنوات.

أعمال فنية

ليلى التي تهوى الفن والأعمال الفنية والهندسة والديكور، عرض عليها أخوها بداعي المزح أن تعمل مغسلة، وعند وفاة أمها غسلتها وكانت هذه بدايتها، وتقول: إنها تتعرض لكثير من المواقف المحزنة ففي إحدى المرات كانت تغسل صديقة قديمة لها واكتشفت ذلك أثناء الغسيل ولم تستطع غسلها.

وفي السياق ذاته تقول نورة العميري: إنها عملت مغسلة منذ 10 سنوات في عمر 27 عاماً، كانت تبحث عن وظيفة وشعرت بالتردد والخوف من هذه الوظيفة ورغم أن أمها وأخاها يعملان مغسلين إلا أنها لم تكن لديها خلفية، موضحة أنها أصبحت تحب هذه الوظيفة، وليس قلبها قاسيا كما يتصور الأغلب فقد توفى ابنها الصغير ولم تستطع غسله وكذلك إحدى قريباتها.

جميع الأعمار

وذكرت المشرفة ابتسام المطوع أنه يعمل في الدمام 14 مغسلة سعودية في 4 مساجد ويكون العمل بتنظيم بناءً على جدول، وخلال فتح باب التقديم على هذه الوظيفة تأتيهم أعداد كبيرة من المتقدمات تصل إلى 60 أو 70 متقدمة، مبينة أن المقابلات الشخصية تتم عن طريقها هي والمشرفة فاطمة الدوسري، ويراعيان أعمار المتقدمات فلا يقبلان أقل من سن الثانوي، بالإضافة الى اختبار لمعلوماتها العامة وتقييم لكفاءتها وشخصيتها، ويتقدم لديهن فتيات من جميع الأعمار والمستويات التعليمية، وقد تقدمت لديهن فتاة خريجة بكالوريوس بمرتبة الشرف تخصص علم الاجتماع.

أغرب موقف

ونوهت إلى أنهن أقمن دورات تثقيفية في مسرح الأمانة وكان أقل عدد حضور 200 شخص، وهذه الدورات ساهمت بشكل كبير في تعزيز ثقافة الأهل في مشاركتهم في غسل ميتهم وصححت أفكارا خاطئة لديهم، وعن أغرب موقف حدث ذكرت أنه توفيت سيدة مصابة بالصرع وهي حامل وبعد الكشف عليها في المستشفى أعلنوا أنها وجنينها متوفيان، وبعد مضي يوم في الثلاجة وصلت السيدة المتوفاة إلى المغسلة عند الغسل كانت تضغط المغسلة على بطن الميتة -من طرق الغسل- شعرت بتحرك الطفل في بطن أمه، وتم إرسال ممرضة لتفحص النبض واكتشفت أن الطفل حي وتم إرسال الأم المتوفاة إلى المستشفى وأجروا العملية الجراحية وأخرجوا الطفل وكان بصحة جيدة في الشهر السابع.

تغير اجتماعي

الأخصائي الاجتماعي أحمد السعيدان قال: إن لكل مجتمع تغييرات نابعة من وجود ضرورة لإحداث تغيير معين في بيئة اجتماعية معينة، فعندما نتحدث عن المرأة سابقاً فقد يقتصر دورها على الطالبة ثم المتزوجة ثم ربة المنزل، أما في العصر الحالي ونتيجة التغيير الاجتماعي المتسارع فالمرأة تقوم بالدور الفاعل والأكبر في إحداث التغيير المنشود فهي الطالبة والمتزوجة والمتعلمة صاحبة الهمة والطموح العالي بالإضافة إلى كونها ربة منزل، فكل فرد داخل المجتمع يواجه التغيير الاجتماعي بالتكيف الاجتماعي سوف يُلاحظ عليه المرونة والقابلية في تحليل السلبيات للتخلص منها والإيجابيات لتعزيزها، ولا يمكن أن نتجاهل الظروف البيئية التي لها شأن في إحداث التغيير في المفاهيم. مضيفاً: إنه عندما نقارن المرأة سابقا والآن سيتبادر لنا في الأذهان وبناءً على ما سبق ذكره لاستيضاح تقبل المرأة والمجتمع لوظيفة المغسلة، بأن المرأة الآن لديها هاتف ذكي ولديها الوعي الكافي وقد يكون التعليم المناسب المتخصص وكل يوم تتلقى أخبار الوفيات والقصص والمواعظ والدعوات الخاصة التي تطلبها كل صديقة من صديقتها في كل يوم جمعة لميت لديهم وعند هطول الأمطار وطلب المشاركات في الهاشتاقات المتعلقة بهذ الشأن، فنتيجة تلك التراكمات قد يتكون لديها الخضوع تقديرا لوظيفة «مغسلة موتى» ورغبتها تزداد إذا كانت من المنتسبات للتخصصات العلمية في الدراسات العليا أو سبق لها المساهمة في الأعمال التطوعية والخيرية.