دخل الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك مسجد دمشق، فرأى شيخاً كبيراً في السن، قال: يا شيخ، أيسرك أن تموت؟!

فقال: لا، والله.

قال: ولِمَ وقد بلغت من السن ما أرى؟! قال: نُفي الشباب وشرّه، وبقي الشيب وخيره، فأنا إذا قعدت ذكرت الله، وإذا قمت حمدت الله، فأحب أن أقوم لي هاتان الحالتان. الشيخوخة التي حل بعضنا فيها، والبعض الآخر يتجه إليها، هي مرحلة من مراحل الحياة، ويجب ألا تضاع بالشكوى والتألم والبكاء على الشباب الذي ذهب، وإيذاء من حولنا بأمور لابد منها شئنا أم أبينا. ليس المطلوب فقط الصبر والتصبر، بل مطلوب أن نحرص على: كيف نستفيد من مرحلة الشيخوخة؟

ولذلك وسائل كثيرة، وكل شخص هو الأدرى بتحديد مساره القادم، ولكن لعل مما يُتفق عليه:

أولاً: بناء الفكر واستغلاله، فصاحب الفكر لا يشيخ، ويظل حياً بحراك عقله، فيستغل علمه وخبراته المتراكمة في العطاء أيام الاستقرار والثبات.

وثانياً: بحفظ الأعضاء في الشباب عما يتلفها، وقد قالها الكبير النشيط: هذه أعضاء حفظناها في الصغر، فحفظها ربي علينا في الكبر.

وثالثاً: بالسعي للنجاح أيام القوة والقدرة على العطاء، فما تزرعه في حال شبابك تحصده في حال مشيبك، وقد قال الشاعر الشعبي:

من لا ينال الطيب فاول شبابه

ما ظن يظفره ليا من عارضه شاب

ومن لا يميز في خطاه وصوابه

لو صاب مرة عشر مرات ما صاب

ورابعاً: بالتميز في تربية الأبناء علمياً وتربوياً، فالأبناء خير سند وقت الحاجة، ولكن لن يقف مع الأب، إلا من رباه على الصلاح والجدية، وإلا سنرى ما نراه، من أولئك الكبار الذين يجلسون وحيدين أو يراجعون المستشفيات وليس معهم إلا سائق وشغالة. أيضاً مرحلة الشيخوخة مرحلة تستدعي من الأبناء أن يقوموا بواجبهم بالتميز في العطاء مع الصبر على من صبروا عليه أيام صغره أكثر من صبره عليهم أيام كبرهم، وقد قالت إحدى كبيرات السن في رسالة مؤلمة: ليتني ارتحت من زيارة أبنائي لي كل جمعة! يجتمعون عندي فيشغلوني، وبالأخير كل واحد مشغول بجواله، وإذا رفع رأسه فمن أجل أن يجادل أخاه الذي قال كلمة لم تعجبه.