عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه كان يُذّكر كل خميس فقال له رجل: يا أبا عبدالرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم «إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا».

هذا الحديث رسالة قوية يمكن توجيهها إلى قبيلة «الواتسابيين» الذين يحقنون جوالاتنا بمواعظ لها أول ولا آخر لها.. جوالاتنا تمطر بالرسائل الخاصة والعامة صباحاً ومساءً وبمناسبة وبدون مناسبة، تُملأ أجهزتنا بأدعية ومقاطع وصور وتصبيحات.. ورغم أن هناك ملاحظات على الكثير من الرسائل فبعضها أحاديث ضعيفة، وأدعية غير مستقيمة المعنى، ومقاطع مجتزأة ومركبة.. لكن على افتراض صحتها، ففيها خطآن؛ أولها أنها في سياق كثرة تحديث الناس، وربما تسبب السآمة التي منعت الصحابي الجليل ابن مسعود وقبله الرسول -عليه الصلاة والسلام- من وعظ الناس بشكل دائم ومستمر.. والملاحظة الثانية أن مرسلي تلك المواعظ لا يطبقون ما فيها من أحكام وأخلاق. خير الكلام ما قل ودل، وأفضل المواعظ ما كان في وقته، وبالقدر المقبول، وبالعرض الذي يجعل الناس يقبلون ولا يعرضون ويستبشرون ولا ينفرون. نحن قوم يا سادة لا تنقصنا كثرة المواعظ، ولا حتى المعلومات أحياناً.. الذي ينقصنا هو العمل.. كثيرون يعرفون أن الغش حرام، لكن جشع التجار يحملهم على غشك.. نحن نعلم علم اليقين أن الفساد خراب وأنه جريمة، ومع ذلك الفساد حاضر بيننا.. نحن ندري ونعلم عن الحقوق سواء كانت للأطفال أو للنساء أو الحقوق الوظيفية لكن تلقى من يفرط، ومن يقصر عن عمد وقصد.. نحن درسنا ونتراسل عبارة «النظافة من الإيمان»، لكن مَن مِن المتنزهين من يحمل مخلفاته معه إذا غادر حديقة أو منتزهاً ليحافظ على المكان ويتركه كما كان؟!.

أسوأ الناس من يحدثك عن الأمانة ثم يخون.. يحدثك عن فضيلة الصدق ثم يكذب.. يلقي عليك محاضرة في النزاهة والآداب والأنظمة ثم يكون هو من يخالف أقواله.

قال المفسرون: كان المسلمون يقولون: لو نعلم أحبّ الأعمال إلى الله تعالى لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فلما فُرض الجهاد في سبيل الله، كره بعضهم ذلك وشق عليهم فأنزل الله تعالى قوله: ((يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)) سورة الصف.

المواعظ والعلم الذي يتداوله الناس عبر حساباتهم ويزينون به صفحاتهم هل طبقوه، وحولوه إلى عمل.. أم مجرد تراسل ونشر وتفاخر بالمعرفة دون تطبيق..؟

قال أبو البندري غفر الله له:

نحن يا سادة نحمل أسفاراً من العلم في عقولنا، وأطناناً من المعرفة في أجهزتنا.. لكن العمل بها مُعلّق إلى أجل غير مسمى!