يظهر من خلال الأحداث الجارية أن عامة الناس يفتقدون أدنى مهارات التعامل مع الحدث، إلى درجة أن التلقي للأنباء قد لا يمر على أسماعهم ووعيهم فيما استنكره القرآن وأطلق عليه (التلقي بالألسن)، قال الله تعالى: { إِذ تلقونهُ بِألسِنتِكُم وتقُولُون بِأفواهِكُم ما ليس لكُم بِهِ عِلم} [النور:15]، ومعلوم أن التلقي إنما يكون بالأسماع، ولكن القرآن أضافه إلى الألسن لمسارعة هؤلاء في النقل والبث وإذاعته قبل التحقق من صحته.

ونهى الحديث النبوي - كما جاء في الصحيحين - عن (قيل وقال) أي ترديد ما يقال من غير تثبت ولا تدبر ولا تبين.

ومن المهارات الأساسية التي ينبغي أن يزودنا بها التعليم هو «مهارة الاستنباط Deduction»، لتصحيح أسلوب تفاعلنا مع الحدث.

والاستنباط أصله في لغة العرب: طلب النبط، وهو أول الماء الذي يخرج من البئر عند الحفر، والمقصود بذلك العلم بحقيقة الشيء ومعرفة عواقبه، فهذا الأمر يحتاج إلى بحث واستخراج ومعرفة لمصادره، وتمييز ما يشوبها من الكذب أو التوهم، كل هذا إنما يُرجع فيه إلى أهله من أهل الاختصاص الذين يستطيعون تمييز هذه الأمور، كما يقول ابن جرير - رحمه الله -: «وكلُ مستخرج شيئا كان مستترا عن أبصار العيون، أو معارف القلوب فهو له مستنبط» تفسير الطبري (7/‏‏ 255). وهذا يدل على أن المسألة تحتاج إلى عُمق في النظر ودقة في التحليل.

ومفهوم الاستنباط الاصطلاحي هو القدرة على التوصل إلى نتيجة عن طريق معالجة المعلومات أو الحقائق المتوافرة طبقا لقواعد وإجراءات علمية محددة.

وتتكون هذه المهارة من جزءين رئيسيين هما:

أ- الأدلة أو المعلومات التي تقدم لإثبات الأمر أو القضية موضوع الاهتمام، وتسمى مقدمات أو دليلا.

ب- المعلومات التي يتم التوصل إليها بمعالجة الأدلة والمعلومات المعطاة، تسمى نتيجة أو مدلولا عليه.

ولا تخرج النتيجة عن حدود المعلومات المعطاة، ولكن حتى يتم التوصل إليها لا بد من إمعان للنظر والتحليل، بعد التحقق من المعلومات بغية الحصول على النتائج السليمة. وهذا يجعل قدرتنا على اتخاذ القرارات أفضل، بناء على وضوح الصورة وتمحيص الأدلة ويجعل تفكيرنا أكثر فاعلية في حل المشكلات والبت في النوازل والحوادث المستجدة التي تواجهنا في حياتنا اليومية.

والاستنباط مهارة نص عليها القرآن في قوله تعالى: {وإِذا جاءهُم أمر مِن الأمنِ أوِ الخوفِ أذاعُوا بِهِ ولو ردُّوهُ إِلى الرسُولِ وإِلى أُولِي الأمرِ مِنهُم لعلِمهُ الذِين يستنبِطُونهُ مِنهُم ولولا فضلُ اللهِ عليكُم ورحمتُهُ لاتبعتُمُ الشيطان إِلا قلِيلا} [النساء:83] والمراد بأولي الأمر في الآية: أي العلماء الراسخون.

يقول العلامة عبدالرحمن بن سعدي - رحمه الله - في معنى الآية: «هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين أو بالخوف الذي فيه مصيبة، عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها».

علينا أن نتريث ونميز بين الحقائق والآراء، ونجعل أهل الاختصاص من ذوي العلم الثقات أن يقدموا الأدلة والنتائج التي تعطي لكل ذي حق حقه.