في السنوات الأخيرة توالت سقطات ما يسمى أو ما يعرف بالإعلام الدولي. ذلك الإعلام الذي تمثله صحف ووكالات أنباء كبرى تسيطر على مصادر المعلومات والأخبار. كان هذا الإعلام ملجأ لمواطني العالم الثالث؛ لمعرفة ما كان يسمى (الحقيقة). وكان على رأس ناقلي هذه الحقيقة شبكة «بي بي سي» ووكالة «رويترز». وقد تلت مرحلة الحقيقة مرحلة أخرى مواربة سمتها مدارس الإعلام (الحياد)، ويعني أن وسائل الإعلام الدولية تنقل، أو من المفترض أن تنقل مختلف وجهات النظر حيال قضية معينة دون أن تنحاز لأي من أطراف القضية المطروحة. وإذا صدقنا بالمرحلتين، مع تحفظاتي الشخصية الكثيرة والكبيرة عليهما، فإننا الآن بصدد مرحلة أخرى جديدة يمكن أن نسميها مرحلة الانحياز وعدم الحيادية والكذب المتعمد، وربما جاز، أيضا، أن نسميها مرحلة الاختراق. خذ مثلا صحيفة (واشنطن بوست) وتعاملها مع قضية اختفاء جمال خاشقجي. هي تماما مثل قناة الجزيرة وقناة المنار وصحف قطر وحزب الله. لا حقيقة ولا حياد ولا أي اعتبارات لمصداقية النقل والأدلة.

هذه المرحلة تعني، في نهاية المطاف، أنه لا وسيلة إعلام يمكن الوثوق بها اليوم، لا من أكبر الشبكات الإعلامية الدولية ولا من أصغرها. ويعني أن الأمر خرج من أيدي المهنيين المحترفين إلى أيد أخرى منضوية تحت معسكرات أو أحلاف أو جماعات تستقطبها وتوجهها إلى أجنداتها وأهدافها.

بطبيعة الحال، فإن ضحية هذه الوسائل هو المتلقي، الذي لم يعد يجد ظلا إعلاميا يركن إليه هربا من الكذب والتدليس وقلب الحقائق على رؤوسها. أكثر من ذلك فإن الخطر تجاوز الفرد المتلقي إلى مجتمعات ودول أديرت ضدها، في مرحلة انحياز واختراق الإعلام الدولي، حروب إعلامية ضارية. ونتيجة لعدم حصانتها من الداخل اهتزت وفقدت أمنها واستقرارها، بل ودخلت في حروب أهلية عاتية ما زالت تدفع ثمنها حتى اليوم. وهذا ما يجب أن ننتبه إليه ونضع إستراتيجياتنا وخطابنا الإعلامي على أساسه، وهو أن ترسانات الحروب الإعلامية، التي تشن الآن على مستوى عالمي، لها أهداف أبعد من الإعلام أو التقصي أو التحليل.