«شيآن».. بين العراقة التاريخية والرائحة العبقة

«شيآن».. بين العراقة التاريخية والرائحة العبقة

الجمعة ١٤ / ٠٩ / ٢٠١٨
أكتب لكم من الصين وبالتحديد من مدينة «شيآن» شمال غرب الصين، ضمن برنامج تدريبي لمختصي الشأن الصيني (السينولوجيست). ومدينة شيآن هي القبلة الثانية لمعظم قادة دول العالم، إضافة إلى بكين، أثناء زياراتهم إلى الصين. فأكثر من 200 من قادة دول العالم زاروا «شيآن»، بما في ذلك، الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كيمون، الملكة البريطانية إليزابيت الثانية، الرئيسان الفرنسيان السابقان جاك شيراك وساركوزي، الرئيس الروسي بوتين، الملك البلجيكي وزوجته، والملك الإسباني وزوجته. فبين العراقة التاريخية والرائحة العبقة تتربع «شيآن» على تاريخ الصين القديم وتعد واحدة من أقدم أربع عواصم عالمية، وأحد المنابع الرئيسة للحضارة الصينية. ويعود تاريخ «شيآن» الى اكثر من 3100 سنة منها حوالي 1100 سنة اتخذت منها 13 أسرة ملكية صينية عاصمة لها من بينها، تشو، تشين، هان، سوي، تهانغ وغيرها، وشغلت بذلك المركز السياسي والاقتصادي والثقافي في الصين القديمة. وكما يقال هنا في «شيآن» «اذا اردت ان تعرف 600 سنة من تاريخ الصين اذهب الى بكين، واذا اردت ان تعرف التاريخ المعاصر والجانب الاقتصادي للصين فاذهب الى شنغهاي لكن اذا اردت ان تعرف 2000 سنة واكثر من تاريخ الصين فاذهب الى شيآن». من خلال زيارتك لبكين سوف تعرف حجم الصين السياسي، وفى شنغهاي سوف تعرف قدرة الصين الاقتصادي، اما في «شيآن» فسوف تغوص في تاريخها وثقافتها الضاربة في عمق التاريخ. فتجد الصينيين دائما يؤكدون أن بكين هي العاصمة السياسية للصين، وشنغهاي هي العاصمة الاقتصادية، و«شيآن» هي العاصمة الثقافية، والمدن الثلاث تمثل اضلاع المعرفة وفهم الصين بشكل جيد.

وليس بعيدا عن المدينة هناك متحف تماثيل الجنود والخيول الفخارية، «محاربي التيراكوتا» «Terracotta Army» في مقبرة الامبراطور «تشين شي هوانغ»، التي باتت تعرف عالميا بأعجوبة العالم الثامنة، وكما قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك، أصبح الآن اسم «العجيبة العالمية الثامنة» مرادفا لتماثيل الجنود والخيول الفخارية. وقد وضعتها اليونيسكو ضمن قائمة التراث العالمي في العام 1987. وقد تم اكتشافها في العام 1974 من قبل مزارعين محليين اثناء عملية حفر بئر. وكما يجري تناقله ان امبراطور الصين الاول كين شين هوانج وصاحب فكرة بناء سور الصين العظيم امر في العام 246 قبل الميلاد ببناء هذا الجيش ليتم دفنه معه عندما يموت وأمر حينها بأن لا يكون هناك جنديان متشابهان في هذا الجيش بأكمله وهذا ما تم بالفعل ببراعة مثيرة للدهشة حيث شارك ما يقارب 700 الف شخص لبناء آلاف التماثيل الطينية غير المتشابهة بملامح دقيقة لدرجة مدهشة ووضعها في أفران تصل درجة حرارتها لألف درجة مئوية، ثم تركها لتبرد وتلوينها وتزيينها! وكان الهدف منها هو مساعدة الإمبراطور في بناء إمبراطورية في الآخرة كما يعتقد البعض، أو لحمايته في الآخرة. وبحسب الخبراء فان هناك اجزاء كبيرة من هذا المكان لم تكتشف بعد.

إلى جانب هذه العراقة التاريخية بكون المدينة العاصمة الثقافية للصين ومعسكر «الجيش الطيني»، فهي المحطة الأولى على طريق الحرير المعروف قديما، وبالتالي تعتبر مركزا لالتقاء كل الثقافات، من خلال ربط المدينة مع دول العالم خاصة العالم العربي والاسلامي. وهو ما جعلها تاريخيا المركز السياسي والاقتصادي والثقافي للصين. ومع طرح مبادرة إحياء ذلك الطريق بدأت المدينة في العمل على استثمار المبادرة في تحسين تبادلها التجاري مع الدول الواقعة على الطريق.

عندما تتجول في ارجاء المدينة، قد تظن للوهلة الأولى أنك تتجول في أرجاء متحف حيث تنغمس في عبق الماضي وتستمتع بأناقة وجمال التاريخ، وهذا الاعتزاز وهذا الفخر بهذا التاريخ وهذه العراقة تجدها حاضرة بقوة في ثقافة سكان المدينة. وكما وصف أحدهم شيآن «تستطيع الصين أن تبني نيويورك في 200 عام، لكن لا تستطيع أمريكا بناء شيآن في 2000 عام».