مدينة الميليشيات

مدينة الميليشيات

السبت ٠٨ / ٠٩ / ٢٠١٨
خلال الأسبوعين الماضيين، استحقت مدينة طرابلس الليبية أن تسمّى مدينة الميليشيات، حيث أصبحت الميليشيات والجماعات المسلحة صاحبة الكلمة في أمن واستقرار المدينة، والمنطقة الغربية الليبية برمتها، هذا القتل، والحزن واعتقال المدنيين وتهجيرهم من أهالي طرابلس ذكّرني بمشهد تكرر في عام 2012م، في أول انتخابات برلمانية شهدتها ليبيا بعد نظام معمر القذافي، كان كل المسؤولين الذين جاءت بهم ثورة 17 فبراير 2011م يتحدثون بزهو كبير عن الثورة التي أدهشت العالم، وعن قدرة الليبيين الذين لم يكونوا مؤهلين حينها لقيادة دولة، وإدارة ثورة على تخطي كل ذلك، والظهور بذلك المظهر القوي، وأن الأمور حسمت إلى غير رجعة.

تلك العبارات، وحالات الحبور، والزهو في أقوال وتصرفات المسؤولين الليبيين، وحتى في أحاديث الناس البسطاء، كانت محل سؤال لي من الأجانب الذين يعيشون في ليبيا، وكنت أجد في أسئلتهم تخوفًا كبيرًا في ألا يتحقق ما يدور في أذهان الناس بليبيا في حينها. أي الدولة، والثورة، والديمقراطية.


وبعد كل هذه السنين ومع العنف المجنون الذي يدمر المدينة، ويراكم الضحايا بالعشرات، ويزيد من أعداد الجرحى الليبيين الذين يُقدَّرون بعشرات الآلاف في مستشفيات العالم، تذكّرت مقولة للأديب الكبير وليم شكسبير، كان الرجل يقول بثقة: لا تعتقد أن الدنيا تدير لك ظهرها، ربما أنت الذي يجلس بطريقة معكوسة، وهذا في رأيي أبسط وأقصر، وأدق تشبيه لحالة الأشقاء في ليبيا حيث ضيّعوا زخم ثورة فبراير بأخطاء قاتلة، ووصلوا إلى مرحلة وسيطة أصبحت العناصر التي تتحكّم في المشهد العام، السلطة، والثروة، والسلاح هي جماعات، وفئات، وتكوينات تسعى بجهل، وربما بعبثية إلى المزيد من الخيرات، دون الاهتمام ببناء الدولة، والعدالة الانتقالية، وتكوين جيش قوي يكون عمودًا فقريًا يسند البلاد الليبية في مواجهة جهل، وعبث الداخل، وتدخّلات وأطماع الخارج.

في أواخر العام 2013 برز للمراقبين في طرابلس أن الصراع بين محاولة بناء الدولة، وبين تعميق سلطات القوى المسلحة في المنطقة الغربية، وفي طرابلس على وجه الخصوص غدا أمرًا واقعًا، باعتقال رئيس الوزراء حينها الدكتور علي زيدان، بطريقة لا تختلف كثيرًا عما يشاهده الناس في أفلام المقاولات التي تنتجها السينما العربية، اقتيد الرجل للمحاسبة، كما قيل بملابس نومه، والقصة معروفة للجميع، المهم فيها عنصران، سطوة مَن يملك السلاح، حيث دخل طرابلس حسب الروايات التي توافرت لأجهزة استخبارية أوروبية رتل سيارات يفوق المائة والخمسين سيارة، أمَّنوا المنطقة واقتادوا الرجل من فندق مشهور في قلب العاصمة. العنصر الثاني، أن أهل السياسة منذ تلك المرحلة حتى اليوم أصبحوا في الصف الثاني في كل شيء، حيث يُملى عليهم كل خطوة يقومون بها من الجماعات المسلحة.

في العام 2014م بدأت بارقة أمل تلوح لليبيين وللمهتمين بالوضع هناك بتشكيل نواة جديدة للجيش الوطني الليبي خارج فكرة الميليشيات بقيادة خليفة حفتر، وانطلق من المنطقة الشرقية، وخلال عامين صارع بقوة تيارات سياسية وأيديولوجية معسكرة في الشرق وفي الوسط، وفي مناطق أخرى بليبيا، الذي منع هذه البذرة التي كان يمكن أن تكون بداية منطقية لنواة جيش وطني ليبي، أن الرجل بشخصه، وتوجّهه، وبتاريخه كانت عليه ملاحظات ونقاط عدم رضا، أو قبول، إما من الداخل، أو من الخارج، زاد الوضع سوءًا بروز التيارات والفاعلين ما دون الدولة في مدن ليبية بعينها، وبدأ صراع بين ما يمكن تسميتهم بالسياسيين والعسكريين، هذا الصراع غذاه زيادة نفوذ الميليشيات، وهيمنتها على الثروة، وإدارة السياسة، بصورة لا تقبل التشكيك.

المشاريع التي قدّمت لإنقاذ الوضع في ليبيا بدءًا من اتفاق الصخيرات، ثم لقاء باريس، وامتدادًا لجهود مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة اليوم، كلها تذهب هباءً بسبب صراع بناء الدولة وتمدد الميليشيات.
المزيد من المقالات