الكلمة حارسي الوحيد

الكلمة حارسي الوحيد

الخميس ٠٦ / ٠٩ / ٢٠١٨
منذ أن مارست الكتابة، وذهبت في طرقها الوعرة، أرفع حجرًا هنا، وأضع آخر هناك، أدفع عني وحشة الطريق بالحديث والمسامرة مع الأدباء والمفكرين والفلاسفة والشعراء، لا أملك في يدي خريطة، ولا بوصلة أضعها في جيبي، فقط أرفع رأسي، وأسير باتجاه الأفق الرحب، العشب دليلي إلى منابع الفكر، ودائمًا ما أتبع تعرجات النهر في بطون الوديان، وسهول الغابات، أصل إلى صفاء الماء، وهو يتدفق بفعل الحب، متوجهًا إلى جذور الأشجار، كما هو متوجّه إلى رأسي؛ ليسقي جذور الأفكار. جزر نائية عبرتها، عاشرت فيها أناسًا عاديين، يجيئون من كل فج، يقدمون لك خدماتهم بالمجان، وبتقنيات متطورة جدًا، ولا يتطلب منك ذلك سوى دقائق معدودة، فأنت بمجرد أن تفتح كتابًا، وتنطق شفتاك بأسمائهم، تراهم أمامك، بالهيئة التي كانوا عليها في الكتاب. جالستُ حيوانات مفترسة، وأكلت معهم. كانت الكلمة حارسي الوحيد، تخرج من أحد كتبي أو من رأسي، وتقف أمامي كجبل.

كنتُ أعزل، إلا من الكلمات، كنتُ وحيدًا، إلا من صداقتها، خائفًا إلا تحت ظلال أشجارها، جائعًا إلا من ثمار سلالها. لذا، لا أتذكّر يومًا، أني كنتُ وحيدًا، أو خائفًا، أو جائعًا. وحين يصيبها الملل، ويقتلها السأم، من فرط تنقلها على الدوام، من رأس هذا المفكّر، إلى رأس ذلك الأديب أو الفيلسوف. ناهيك عن تقلباتها على أسرة المعاني وفرشها، أقوم بإطلاق بعضها من يدي كالعصافير إلى فضاء واسع من الهواء النقي، ثم تعود وتستقر ثانية على يدي، بنشاط ومرح أكثر. أما بعضها الآخر، بسبب تقدمها في السن، وبسبب تجاربها مع الكتاب، ويأسها من فشلهم معها، أقدمت مرات عديدة على الانتحار، والتخلص من نفسها بالانزواء عن أخواتها خلسة، والذهاب إلى قلعة مهجورة في كتاب قديم مملوء بالخرافات والأساطير، والعيش فيها حتى الموت. لذلك كنتُ أربط في سيقانها خيطًا طويلًا، وأطلقها في الهواء مثل طائرة ورقية، وأنزلها بعد أن تكون قد استقرت نفسيًا وذهبت عنها فكرة الانتحار.


كنتُ دائمًا على الطريق، في وسطه تحديدًا، لم تنزلق قدمي، ولم أغطس في الوحل. لكنني لم أكن قويًا بما يكفي؛ كي أصمد ولا أقع. بل ثمة طاقة في الكلمات، لا أستطيع تفسيرها، ولا أحمل منطقًا عقلانيًا للحديث عنها، فقط أتوهّج وأشعّ كلما فركتُ حجرًا بآخر من أحجار الكلمات، وكأني ذاك المارد الذي يخرج من مصباح علاء الدين، ولا يعود. أتوهّج وأشع، وكأني دونكيشوت حين يحارب طواحين الهواء، ولا يستريح.

لكنّ التوهج له أثمانه أيضًا، وله خساراته العديدة، التي لا تنفك تعيد الحياةُ صياغتها من جديد، كلما خبت نورها وانطفأت.

فالكلمات حين تطلق لها العنان في داخلك، وتعطيها حريتها المطلقة، فإنها تنحته مثل صخرة كبيرة بإزميل أفكارك، ولا تتوقف حتى الموت.
المزيد من المقالات