عاجل

تردّي اللغة والإتيكيت عن زمن الطيبين

تردّي اللغة والإتيكيت عن زمن الطيبين

الاثنين ٠٣ / ٠٩ / ٢٠١٨
كانت اللغة المستخدمة في وقتٍ من الأوقات الذي يسمّيه الناس الآن «زمن الطيبين» فخمة وقوية وذات فاعلية، وملتزمة بشروط الإتيكيت الاجتماعي كثيرًا؛ فلكل موقف وحالة كلام يُقال، وردود يُفترض أن يتعود المرء منذ صغره على تعلمها، ليقولها بالصورة المناسبة وفي الوقت والموقف المطلوبَين. فتحية العائد من السفر على سبيل المثال، وسؤاله عن أحواله وسفره تكاد تكون ضوابط إتيكيت معيارية، لا يُخلّ بها أو يقلل من شأنها إلا متهاون بالعادات والتقاليد المتبعة. فلا يكفي أن يسأل المستقبِل سؤالًا واحدًا أو اثنين إجماليَّين؛ بل لا بد من كثرة الأسئلة، وإن كان أغلبها معادًا بصيغ أخرى، لكن الهدف هو إظهار الاهتمام. وربما يعود المرء للسؤال مرة أخرى بعد الأحاديث العامة أو تناول وجبة الطعام، ليبدي لضيفه أن غيابه كان مؤثرًا. وكذلك الأمر في المناسبات الأخرى كالزواج أو قدوم مولود أو حالات العزاء وغيرها.

أما الآن، فإن أغلب الشباب على وجه الخصوص لا يعرفون كيف يردون في موقف عابر أو مناسبة اجتماعية يحضرون فيها. كما أن أكثرهم لا يُجيد استخدام اللغة المناسبة في كثير من الظروف؛ خاصة في المواقف التي لا تحدث ظروفها كثيرًا في حياته، أو مع الغرباء، بل ولدى كثير منهم حتى مع معارف الوالدين وأصدقائهما إذا قابلهم صدفة في المنزل أو في الطريق. وقد قامت بعض الدراسات العلمية والاجتماعية المتعلقة بلغة الشباب والتغيّرات التي تعتريها، وليس هذا مجال الحديث عنها؛ لكنه يهمّني في هذه المقالة أن أتناول ما فقده الشباب في هذا العصر من انسياب اللغة المعبّرة بدقة وإتقان ضمن مواقف الإتيكيت الاجتماعية المختلفة.


وأحد أهم العوامل التي تراعى في المجتمعات العربية إلى وقت قريب هي عوامل التفاوت في السن، واحترام الكبار بتقديمهم في أي موقف، ودعوتهم للجلوس في الأماكن الأفضل، وعدم البدء بالحديث قبلهم. وكل هذه العوامل تقريبًا تم اختراقها، فلا تكاد تجد في المدن الكبيرة لدينا – على أقل تقدير – اهتمامًا بمثل هذه المعايير.

وربما نتيجة لقلة الكلام المباشر لدى صغار السن، أصبحت اللغة غير عفوية، كما تحوّلت لغتهم للأسف إلى لغة شبيهة بلغة أجهزتهم؛ تركيبها غريب عن لغتنا العربية القديمة، وكذلك عن اللغة الدارجة السلسة، ومفرداتها أيضًا غير معبّرة عن عاطفة أو ارتباط بالموقف الذي قيلت فيه، مثلما أن أصواتها في بعض الأحيان غير متوافقة مع اللغة القديمة، ولا اللغة الشعبية المستخدمة.

هناك مَن يُعيد ذلك إلى تعوّدهم على لغة الخدم – غير العرب في الغالب – خاصة في منطقة الخليج، ومن المحللين مَن يربط ذلك بابتعادهم عن أجواء النقاش، وتفضيل أغلبهم للعزلة لفترات طويلة. لكن الوضع في كل الأحوال غير مطمئن، لا بالنظر إلى الأفراد والمجتمع، ولا باعتبار ما يمكن أن تتغيّر به اللغة بصورة عامة نحو الأسوأ.

وقد لفت نظري أكثر من هذا التردّي، أن عددًا غير قليل من الشباب، خاصة من ذوي الارتباط بالثقافات الأجنبية، قد أخذوا من تلك الثقافات، وبوجهٍ خاص الأمريكية منها، ترجمات لكليشات تعيسة في بعض المواقف؛ لا تعبّر عن عاطفة صادقة أو تماهٍ مع الموقف، مثل الرد على عبارات الشكر. فبدلًا من المعجم العربي المكتنز بعبارات الرد في هذه الحالة، يلجأ بعضهم إلى عبارة «ما عندك مشكلة!» بعد ما تقول له: «شكرًا!». وهي عبارة ميتة وسقيمة مترجمة عن الأمريكية: «No problem».

ومنذ أيام ردّت عليّ أمريكية شكرتها بعبارة: «Don't worry»؛ وما أخشاه الآن أن تجد هذه العبارة طريقها إلى إتيكيت التعامل بين الغرباء، بدلًا من عبارات أجمل، مثل: «لا شكر على واجب» وغيرها.
المزيد من المقالات