تلك العناصر متوافرة في أغانٍ ناجحة عديدة لأساطين الغناء العربي في كثير من الأقطار والأمصار، وهي معروفة عند مَن تتوافر فيه الذائقة السليمة، والأذن المرهفة، والإحساس بجودة ما يُسمع، وللتهرب من سقوط تلك الأصوات الهشة عند سماعها لأول مرة يعمد مخرجوها إلى ما يُسمّى بـ«التمثيل الصوتي» عبر فن «الكليب»، وهم يظنون أن «الحركات الفارغة» من محتواها قد تشد المشاهدين إلى هذه الأغنية أو تلك، غير أن ظنونهم ليست في محلها، فسقوط الأغنية الرديئة هو النتيجة الحتمية، سواء أطلقت منفردة دون تمثيل أو اقترنت بما نشاهده من سخافات عبر تلك «الكليبات».
تراودني أمنية كنتُ أتعشّم لو كانت سارية المفعول في عصر أبو الفرج الأصفهاني صاحب السفر الأدبي الشهير «الأغاني» فلو كانت التسجيلات الحديثة منتشرة في عصره لسمعنا العجب العجاب من أساطين الغناء العربي القدامى أمثال معبد وابن سريج وإبراهيم الموصلي وغيرهم، فقد وصفهم الأصفهاني في سفره بأوصاف دقيقة للغاية، وبصدق فني خالص، وبطرائق تدعو للإعجاب، رغم عدم سماعنا تلك الأصوات الجميلة والعذبة، ومن غرائب مستمعيها أن بعضهم كان يشق ثيابه أو يشد شعر رأسه بقوة أو يدور حول نفسه هائمًا من شدة تأثره بالصوت أو يقذف جثته وهو بكامل ثيابه في «بركة» منزله حينما يُطرب لجمال ما يسمعه من أداء رائع.
[email protected]
