أخلاق الحرب والسلام

أخلاق الحرب والسلام

السبت ٠١ / ٠٩ / ٢٠١٨
تقرير ما سُمّي بالخبراء البارزين، الصادر عن أعلى هيئة حقوقية دولية تابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف. كان مخيبًا للآمال بدرجة كبيرة منذ صدوره وقبل التعليق عليه من التحالف الدولي لاستعادة الشرعية في اليمن، وكذا من قِبَل الحكومة الشرعية اليمنية التي عبّرت عن صدمتها بمضمون التقرير، وبحجم المغالطات والأخطاء التوصيفية لكثير مما هي عليه الحالة الحقيقية للأوضاع في اليمن.

التحالف الدولي لمساعدة الشرعية اليمنية وقوى الشعب اليمني لاستعادة الدولة وتحرير السلطة المنهوبة هناك منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام، استقبل التقرير برويّة وحكمة تعكس أهمية احترام الجهة التي أصدرت التقرير دون الإقرار أو القبول بمضمونه، ومن ثم جاء الرأي المناسب على الثغرات، والمغالطات كما وصفها التحالف الواردة في التقرير، ولعل من المهم هنا الإشارة إلى نقطتين هامّتين في سياق الأزمة اليمنية، الأولى أن هذا التقرير من حيث المضمون، لم يكن الأول، ولن يكون الأخير، الأمر الآخر أن التحالف، لاستعادة الشرعية في اليمن، أحسن صنعًا منذ وقت مبكر، وتبعًا لحوادث سابقة بأن أنشأ ذراعًا قانونية حقوقية، تتولى دراسة مثل هذه التقارير، وأهم من ذلك يزوّد التحالف بالمحاذير القانونية، والأخلاقية التي ينبغي على الجميع الالتزام بها في حالات الحروب.


أبعد من ذلك أظهر التحالف مهنية وشفافية عالية وهو الطرف القوي، بالالتزام بإعلان نتائج كل التحقيقات في التهم والمزاعم التي جاءت بالجملة في التقرير. التقارير الدولية عن الأوضاع في العالم الثالث خاصة في المناطق المتأزمة، والتي تشهد نزاعات مسلحة تكون صادمة حتى للمراقب الذي يقرأ بالحس الأولي تناقضات، وربما قلة مهنية في إعداد مثل هذه التقارير، أو كما يقول البعض يلمس فيها انحيازًا لطرف ما، بغية تعويم رؤية ما، ونصرة فريق بعينه. هذا الرأي لمستُه من بعد في التقرير، وكشف لي عن خطورته أصوات يمنية مخلصة لأمتها ولوطنها، رأت أن جُل التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية، والتي حاولت مقاربة الوضع في اليمن كانت دائمًا تنظر بعين مَن يُعلي من دور الانقلاب، والانقلابيين، ومَن يؤسّس لتمزيق الدولة في اليمن، وتفتيت المجتمع، وإشعال المنطقة برمّتها.

الرؤية التي يمكن أن تبني طريقًا أكثر تعبيدًا للسلام في اليمن، يفترض أن تنطلق من الأسس التي تبقي العمود الذي يقيم البيت اليمني الكبير، ويحفظ لليمن والمنطقة الأمن والسلم. وهذا البيت يقوم على ركائز مخرجات الحوار بين اليمنيين، والمبادرة الخليجية للسلام في اليمن، والقرارات الدولية ذات الصلة وأبرزها القرار الأممي 2216. وإذا انتقلنا إلى ساحة أرحب لتفصح الحالة اليمنية لمعرفة الطرف الذي يرفض كل هذه الأسس، ويستقوي بالعمالة لإيران، ويغتصب السلطة، ويقدم الأطفال والمدنيين كدروع بشرية، ويحاصر المدن سيكون الطرف الحوثي، والطرف الحوثي في جوهر وجوده يعتمد على السياسة التخريبية التي تنتهجها الثورة الإيرانية في المنطقة، بمعنى أن هناك دورًا إقليميًا لا يمكن التغاضي عنه ولا يمكن تجاهل دعمه السخي لكل الزوائد السياسية في المنطقة.

التقرير تغافل هذه الحقائق الجوهرية، وتغافل بقصد أو بغير قصد عن الأدوار الإنسانية والمساعدات المستمرة والمتواصلة التي يقدمها التحالف لليمنيين دون تمييز بين انتماءاتهم القبلية، والمذهبية في الوقت الذي يمنع الحوثيون المساعدات عن أطراف يمنية بعينها، ويحاصر مدنها ويقذفها بالصواريخ الإيرانية.

في التقرير كانت هناك إشارة إلى ضرورة تقيد الأطراف بما سُمّي بأخلاق الحرب، وكان بودنا لو أن الأمم المتحدة وهيئاتها العليا المختصة بالشأن الإنساني كانت أكثر جدية بأخلاق السلام، ومهّدت له ليكون واقعًا في اليمن عبر أبسط الطرق، وهي نقل الحقائق والتعليق عليها بما يخدم مصلحة الناس في اليمن قبل خدمة أو تعزيز مصلحة هذا الطرف أو ذاك. أكثر ما يخشاه المراقبون تآكل مصداقية هذه الهيئات مما يقود لمزيدٍ من الدمار.
المزيد من المقالات