الحميضي .. الرحيل الصامت

الحميضي .. الرحيل الصامت

السبت ٢٥ / ٠٨ / ٢٠١٨
كما كان في حياته عاملًا في صمت، رحل عبدالله الحميضي في صمتٍ أيضًا، والذين يعرفون الرجل يفهمون سر اقتصار التعزية بوفاته على المسجد، حيث صُلّي عليه وفي المقبرة، حيث وُوري الثرى، والذين هم في عمري وأكبر عرفوا الرجل في كافة المواقع التي شغلها في المدارس أولًا حيث كان مع مجموعة جليلة من المعلمين المواطنين الذين رحل أكثرهم إلى الدار الآخرة، بعد أن شكّلوا الطليعة المتقدمة من المعلمين المواطنين وصولًا إلى تبوّئه منصب مساعد مدير التعليم للشؤون الإدارية حينما كان يشغل هذا المنصب المغفور له «بإذن الله» الأستاذ عبدالله محمد بو نهية.

وقد قاد التعليم بالمنطقة في ذلك الوقت فريق من أبناء الوطن، ضمّ إلى جانب عبدالله بو نهية، والحميضي، محمد العبدالهادي، وفوزان الحمين، وفهد أبا الخيل، وعبداللطيف العقيل، وآخرين، وكما هم المعلمون يظلون جنودًا مجهولين، فلعل أقلامًا قليلة أنصفت بعضهم، كما هو الكتاب الوثائقي الذي صدر عن حياة عبدالله بو نهية، وشارك في كتابته عدد ممن عاصروه وعرفوا مناقبه وجهوده، ومن هؤلاء الأستاذ خليل الفزيع، ومصطفى أبو الرز من الأحياء، والحمين وعبداللطيف العقيل «يرحمهما الله».

ولعل الرحيل الصامت لهذا الجندي، الذي طالت فترة عُزلته منذ إحالته إلى التقاعد حتى وفاته، يعود بنا من جديد إلى حديث الوفاء للمربين الرواد وضرورة تكريمهم حال حياتهم، والعناية بكتابة خلاصة تجاربهم التي قلنا والكثيرون غيرنا بأهمية نقلها للأجيال المتعاقبة للاستفادة منها، بل على الأقل التعرّف على المعوقات التي ما زالت تواجه طموحاتنا في تعليم أفضل لأبنائنا وتحقيق التطوير المنشود، رغم الإمكانيات والموارد الهائلة التي تخصصها الدولة للتعليم والعناية التي تلقاها مؤسساته من القيادة الحكيمة، والبرامج والمشاريع والخطط، ومحاولات التغيير المتكررة التي ما زالت رغم تعددها عاجزة عن الوصول إلى ما نريد.

لقد رحل عبدالله الحميضي، ورحل قبله عبدالعزيز التركي، وفوزان الحمين، وعبداللطيف العقيل، وحمدان السريحي، وغابت معهم تجاربهم وخبراتهم، وقد يرحل آخرون غيرهم وما زالت الجهود دون المستوى؛ لسبب بسيط هو أن أصواتنا تعلو كلما رحل أحدهم بمثل ما أطالب به اليوم من توثيق سيرتهم أحياء ثم تخبو هذه الأصوات إلى أن يرحل رائد جديد.. فإذا بُذلت محاولة لتلافي ذلك إما أنها تموت في مهدها أو يطالها النسيان والإهمال، فما زلتُ منذ سنوات أسمع أن هناك محاولة لكتابة سيرة الرائد الحقيقي للتعليم النظامي في المنطقة عبدالعزيز التركي، ولم نسمع بعد أن هذا العمل قد اكتمل.

هم أرادوا أن يرحلوا في صمت وعزفوا عن الحديث عن أنفسهم.. لكن المقصرين هم نحن الذين قصّرنا في حقهم مرتين أولاهما عندما غادروا دون أن نكرّمهم، ثم أتبعنا ذلك تقصيرنا في جمع تجاربهم والاستفادة منها.. رحمهم الله، وأجزل لهم الأجر والثواب.