صوت الموسيقى (2)

صوت الموسيقى (2)

الخميس ٢٣ / ٠٨ / ٢٠١٨
تطرقت في المقال السابق عن تأثير الموسيقى على المشاعر واليوم سأكمل الحديث عن تأثيرها على الذاكرة والتعلم ومرونة الأعصاب.

تخيل شخصا عجوزا على كرسيه المتحرك وقد طأطأ رأسه حتى صدره في حالة من اللاوعي تقريباً. يدعى هذا الرجل «هينري» وهو للأسف مفصول عن محيطه بسبب إصابته بمرض الزهايمر. كيف يمكن وصله بالعالم مرة أخرى وتحسين وعيه؟


يوثق فيلم «Alive Inside» طريقة الموسيقى في دعم إعادة تكوين أجزاء من الذاكرة وتحسين صحة المخ وجودة حياة مرضى الزهايمر. قام أحد القائمين على رعاية هينري في دار الرعاية بمقابلة عائلته للتعرف على نوع الموسيقى التي كان يستخدمها هنري للاستمتاع قبل الإصابة بمرض الزهايمر. وبإنشاء قائمة موسيقية معدة خصيصاً لهنري استطاع القائمون على رعايته وإعادة توصيله بمحيطه وإنعاش مزاجه. لقد انفتحت عيناه، وأصبح واعياً وقادراً على التواصل. لقد عاد له اتصاله بحياته بسبب الموسيقى (الموسيقى الخاصة به).

وفي دراسة أجراها «بيتر جاناتا» من جامعة كاليفورنيا عام 2009 وجد أن أحد أجزاء المخ يعمل على ربط الموسيقى بالذاكرة عندما نسترجع ذكريات عارضة محملة بالعاطفة بسبب الأغاني المألوفة. بعبارة أخرى تستطيع الأغاني المعتادة إعادة ربط البشر بذكريات عميقة هامة من ماضيهم، وهذا ما فعلته في حالة «هنري».

هذه هي المبادئ التي سنستخدمها لاحقاً لتكوين قاعدة نستخدمها لإنشاء قوائم موسيقية معدة خصيصاً لإثارة استجابات عاطفية معينة نرغب في إنتاجها عن طريق تفاعل الموسيقى مع المخ.

أما مرونة الأعصاب فهي قدرة المخ على إعادة تنظيم نفسه خلال الحياة، ويمكن التأثير على هذه القدرة بشدة عن طريق هرمون الموسيقى والمخ. ووفقاً لموقع (MedicineNet.com) فإن المرونة العصبية تسمح للخلايا العصبية في الدماغ بتعويض ما تخسره بسبب الإصابات والأمراض، وتسمح أيضاً بتعديل أنشطتها عند التفاعل مع المواقف أو التغيرات الجديدة في بيئتها.

ولمزيد من التوضيح: عندما يتعرض الدماغ إلى التلف فقد يعثر أو ينشئ مسارات جديدة لأداء وظيفته بشكل طبيعي. وبشكل مبهر تستطيع الموسيقى تحفيز الدماغ لتقوم بذلك ولتساعد المخ على إعادة توصيل نفسه في حالة الإصابة. على سبيل المثال: أظهرت دراسة رائدة أجرتها جامعة نيوكاسل بأستراليا أن الموسيقى المشهورة استخدمت لمساعدة مرضى الإصابة الدماغية في استعادة ذكرياتهم. فالموسيقى تؤثر على قدرة دماغ المرضى على إعادة الوصول إلى ذكرياتهم التي لم يستطيعوا الوصول إليها في السابق.

يشبه الأمر الحصول على اتجاهات الوصول إلى موقع معين، وإذا كانت إحدى الطرق مغلقة أو أنك علقت في الزحام يمكنك دائماً العثور على طريق بديل للوصول إلى نفس الموقع. يمكن للموسيقى أن تساعد في رسم مثل هذا الطريق البديل في دماغك.

أحد الأمثلة العظيمة على هذا يظهر في حالة عضوة الكونجرس «جابرييل جيفوردز» فقد تعرضت لإصابة في الدماغ نتيجة إطلاق نار مما أثر على مركز اللغة في المخ وأدى إلى تركها غير قادرة على التحدث تقريباً. عند انخراط عقلها في العلاج بالموسيقى والغناء والتلحين استطاعت توفير معلومات جديدة إلى المخ عن طريق الموسيقى وعن طريق إعادة التنظيم التي تساعد على إنشاء الوصلات الضرورية لتعلم اللغة من جديد.
المزيد من المقالات
x