تركيا.. الطريق معبّد أمام الخسائر السياسية والاقتصادية

تركيا.. الطريق معبّد أمام الخسائر السياسية والاقتصادية

الخميس ١٦ / ٠٨ / ٢٠١٨
رفضت محكمة تركية أمس الأربعاء، طلبا جديدا للافراج عن القس الأمريكي أندرو برونسون الذي يثير احتجازه أزمة حادة في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، حسبما أفادت وسائل إعلام محلية.

وقررت محكمة مدينة إزمير رفض الطلب قائلة ان برونسون سيبقى قيد الإقامة الجبرية، وفقا لما نقلته وكالة الأناضول الرسمية. ونقلت وكالة فرانس برس عن محامي الدفاع التركي عن القس جيم هالفورت قوله إن محكمة أخرى في إزمير ستنظر في طلب موكله. وكانت السلطات التركية اعتقلت برونسون وهو من ولاية كارولاينا الشمالية، في اكتوبر 2016 بتهمة «التجسس» وأنشطة «إرهابية».

رفض اتهامات

ويرفض القس برونسون المقيم في تركيا منذ نحو عشرين عاما، هذه الاتهامات. ومن المقرر أن يمثل أمام المحكمة في جلسة تالية في 12 أكتوبر.

وبعد أكثر من عام ونصف العام من السجن السابق للمحاكمة، وضع برونسون قيد الإقامة الجبرية في يوليو رغم النداءات المتكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإطلاق سراحه وإعادته إلى الولايات المتحدة.

وأعلن البيت الأبيض الثلاثاء، أن ترامب يشعر «بالكثير من الإحباط بسبب عدم الإفراج عن القس» الذي كان يتولى إدارة كنيسة بروتستانتية صغيرة في محافظة إزمير قبل اعتقاله.

وترى الولايات المتحدة الأمريكية أن احتجاز القس يرمي في الأساس لمقايضة واشنطن وحملها على تسليم المعارض التركي الشيخ التركي فتح غولن الذي يراه الرئيس التركي طيب أردوغان أحد ألد خصومه.

عناد تركيا

ومع اشتداد التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا، يحذر محللون بأنه في حال قرر الرئيس اردوغان إغلاق قاعدة إنجرليك، القاعدة الجوية الرئيسية للحلف الأطلسي في تركيا التي تشكل مركزا لعمليات التحالف ضد تنظيم «داعش»، فإن أنقرة هي التي ستدفع الثمن غاليا.

ويرى القائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي، (الناتو)، جيمس ستافريديس أن الوضع مقلق وقال الاثنين متحدثا لشبكة «إم إس إن بي سي»: إن «خسارة تركيا ستكون خطأ جيوسياسيا هائلا»، وفقا لوكالة «فرانس برس».

وأضاف ستافريديس: «يجدر بنا أن نتمكن من وقف ذلك، لكن يعود لتركيا في المرحلة الراهنة القيام بالخطوة الأولى».

ومنذ سنتين تحول الرئيس اردوغان من عداء معلن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى صداقة حميمة وانخرط في تعاون فعال مع موسكو وطهران لاجهاض الثورة السورية وإنجاح مشروعات إيران في سوريا.

انتكاسة لأنقرة

وقال مدير مركز الدراسات حول الشرق الأوسط جوشوا لانديس ان «تركيا هي التي ستعاني الأكثر» جراء الأزمة مع واشنطن.

وقال لوكالة «فرانس برس»: «أعتقد بقوة أن إنجرليك ستبقى، إن طرد الولايات المتحدة سيشكل انتكاسة كبرى لتركيا، ولا أظن أن أردوغان يريد ذلك».

وقد شيدت الولايات المتحدة قاعدة إنجرليك جنوبي تركيا عام 1951، في أشد حقبة من الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفيتي (روسيا)، وهي تستخدم قاعدة خلفية للعمليات الأمريكية في المنطقة وتُخزن فيها خمسون رأسا نووية من ضمن قوة الحلف الأطلسي الرادعة، تضمن منذ عقود أمن تركيا.

ومنذ اعتداءات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، تؤمن قاعدة إنجرليك القسم الأكبر من المساعدة اللوجستية لعمليات الحلف الأطلسي في أفغانستان، كما تلعب دورا مهما منذ 2015 في عمليات التحالف الدولي في العراق وسوريا.

لكن في وقت يزداد الوضع اضطرابا في تركيا، يدعو بعض الخبراء إلى الحد من اعتماد القوات الجوية الأمريكية على هذه القاعدة.

خسائر عسكرية

وفي السياق، قال ستيفن كوك من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي مؤخرا: «لست أقول إن علينا قطع علاقاتنا مع تركيا، لكن العنصر الذي يميل الأتراك إلى التلويح به أكثر من سواه، الوصول إلى قاعدة إنجرليك، يفقد من أهميته أكثر وأكثر».

ونشر مركز «بايبارتيزان بوليسي سنتر» للأبحاث الذي يشجع على التسويات بين الجمهوريين والديمقراطيين، على موقعه خارطة للمنطقة أدرج عليها كل الحلول البديلة الممكنة عن قاعدة إنجرليك للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط، ولا سيما قواعد جوية في الأردن والكويت.

وبالإضافة لذلك قد تكلف الأزمة مع الولايات المتحدة تركيا غاليا على صعيد البرامج العسكرية.

فقد مليارات

وحظر الكونجرس الأمريكي على البنتاجون تسليم تركيا أي طائرة مقاتلة من طراز «إف 35» طالما أن أنقرة لم تتعهد بالامتناع عن المضي قدما في محادثاتها مع روسيا من أجل شراء منظومة صواريخ «إس-400» الروسية.

أنقرة الشريكة منذ 2002 في الكونسورسيوم الدولي الذي مول طائرة «إف 35»، قد تخسر عقدا مربحا بقيمة 1.5 مليار دولار مع باكستان لبيعها 30 مروحية هجومية تركية الصنع من طراز «تي 129 أتاك».

وذكرت نشرة «ديفنس نيوز» المتخصصة في القطاع الدفاعي، نقلا عن مسؤولين عسكريين أتراك أن الطائرة تتضمن قطعا مصنوعة في الولايات المتحدة، وواشنطن قد تقرر منع تصديرها إلى تركيا في حال تدهورت العلاقات أكثر بين البلدين.

وفي مؤشر على حرص القادة الأتراك، رغم التصعيد الكلامي، على عدم السماح بتفاقم الوضع، أعلن البيت الأبيض الإثنين أن سفير تركيا في واشنطن سردار كيليتش التقى بمستشار الرئاسة الأمريكية للأمن القومي جون بولتن.

عجز هائل

وبشأن انهيار العملة التركية قال تيم آش، وهو محلل كبير في الأسواق الناشئة بإحدى الشركات المتخصصة في العاصمة البريطانية لندن: إن «تركيا تبدو على الحافة، كما أن خيار الانتظار محفوف بالمخاطر».

وأضاف آش: «في نهاية المطاف، سيؤدى ضعف العملة إلى الحد من طلب الدول الأخرى على البضائع التركية، وستكون أنقرة مجبرة على اللجوء إلى سياسات تعزيز صادرات العالم إليها، وفي غضون ذلك لن تتمكن من تقليص العجز الخارجى الهائل في هياكل اقتصادها، وقد يؤدي هذا التدهور إلى ما هو أبعد من انهيار الليرة».

وفي المجمل هناك دلائل تشير إلى أن أردوغان، المعروف بعمليته وسرعته التحول في مواقفه، قد يتحرك لنزع فتيل الأزمة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية على الأقل، حيث التقى وفد تركى مع وزارة الخارجية ومسؤولين في وزارة الخزانة في واشنطن في الساعات الأخيرة.