نجومية المغنين الطاغية وغياب الطرب

نجومية المغنين الطاغية وغياب الطرب

الاثنين ١٣ / ٠٨ / ٢٠١٨
تذكرت مقالة لأحلام مستغانمي كتبتها قبل قرابة ثماني سنوات، وكانت بعنوان: «بلاد المطربين.. أوطاني»، تشتكي فيها من كونها وصلت إلى بيروت في بداية التسعينيات، وهي فترة وصول الشاب خالد إلى النجومية العالمية. وقد كانت أغنية واحدة كافية لتقذف به إلى المجد، وربما هي أشهر أغانيه «دي دي واه» (شاغلة الناس ليلا ونهارا)، إذ تقام على موسيقاها الأعراس، وتُقدم عروض الأزياء، وعلى إيقاعها ترقص بيروت ليلا، وتذهب إلى مشاغلها صباحا. وتقول إنها كانت قادمة لتوها من باريس، وفي حوزتها مخطوط «الجسد»، أربعمائة صفحة قضت أربع سنوات في نحتها جملة جملة، محاولة ما استطاعت تضمينها نصف قرن من التاريخ النضالي للجزائر، إنقاذا لماضينا، ورغبة في تعريف العالم العربي بأمجادنا وأوجاعنا. لكنها ما ان أعلنت عن هويتها في المطار، حتى حاول أحدهم مجاملتها قائلا: «آه.. أنتِ من بلاد الشاب خالد!»، واجدا في هذا الشاب الذي يضع قرطا في أذنه، ويظهر في التلفزيون الفرنسي برفقة كلبه، ولا جواب له عن أي سؤال سوى الضحك الغبي، قرابة بمواجعها. وفورا يطرح السؤال: ما معنى عبارة: «دي دي واه»؟ وعندما تعترف مستغانمي بعدم فهمها هي أيضا معنى هذه العبارة، يتحسر السائل على قدر الجزائر، التي بسبب الاستعمار لم تعد تفهم اللغة العربية!

وبعد أن أتعبها الجواب عن «فزورة» (دي دي واه)، وقضت زمنا طويلا تعتذر للأصدقاء والغرباء وسائقي التاكسي، وعامل محطة البنزين المصري، ومصففة شعرها عن جهلها وأمّيتها، قررت ألا تفصح عن هويتها الجزائرية، كي ترتاح. فلم تكن حسب روايتها حزينة، أن مطربا بكلمتين، أو بالأحرى بأغنية من حرفين، حقق مجدا ومكاسب، لا يحققها أي كاتب عربي نذر عمره للكلمات، بقدر ما أحزنها أنها جاءت للمشرق في الزمن الخطأ. ففي الخمسينيات كان الجزائري يُنسب إلى بلد الأمير عبدالقادر، وفي الستينيات إلى بلد أحمد بن بلة وجميلة بوحريد، وفي السبعينيات إلى بلد هواري بومدين والمليون شهيد... اليوم يُنسب إلى مطربين عارضين، وإلى ممثليه من المغنين في «ستار أكاديمي». فتقول أحلام مستغانمي في وصفها المشهد الحالي، إنها حضرها قول «ستالين» وهو ينادي، من خلال المذياع، الشعب الروسي للمقاومة، والنازيون على أبواب موسكو، صائحا: «دافعوا عن وطن بوشكين وتولستوي». فقالت لنفسها بسخرية: لو عاودت إسرائيل اليوم اجتياح لبنان أو غزو مصر، لما وجدنا أمامنا من سبيل لتعبئة الشباب واستنفار مشاعرهم الوطنية، سوى بث نداءات ورسائل على الفضائيات الغنائية، أن دافعوا عن وطن هيفاء وهبي وإليسا ونانسي عجرم ومروى وروبي وأخواتهن... فلا ترى أسماء معروفة للشباب غير هذه لشحذ الهمم وجمع الحشود.


وتؤكد الكاتبة أخيرا قتامة المشهد بالمقارنة بين خروج الأسير المصري محمود السواركة من المعتقلات الإسرائيلية، التي قضى فيها اثنتين وعشرين سنة، حتى استحق لقب أقدم أسير مصري، ولم يجد الرجل أحدا في انتظاره من «الجماهير»، التي ناضل من أجلها، ولا استحق خبر إطلاق سراحه أكثر من مربع في جريدة، بينما اضطر مسؤولو الأمن في مطار القاهرة إلى تهريب نجم «ستار أكاديمي» محمد عطية بعد وقوع جرحى جراء تدافع مئات الشبان والشابات، الذين ظلوا يترددون على المطار مع كل موعد لوصول طائرة من بيروت.

وأحب أن أطمئن الكاتبة أحلام، بأن الوضع بعد أكثر من عقدين على تجربتها في الشرق العربي ليس أحسن منه في التسعينيات، فلم تعد النجومية الطاغية لأفراد هيأت لهم الصدفة الدخول إلى عالم الغناء هي القضية المقلقة فحسب، بل غياب الطرب العربي الأصيل عن المشهد من جهة، والاكتفاء بأغانٍ سطحية في الأداء والكلمات.
المزيد من المقالات
x