حظي ردي!

حظي ردي!

الاحد ٠٨ / ٠٧ / ٢٠١٨
في القرن الثالث الهجري كان التنافس العلمي على أشده بين بغداد وقرطبة، فقد كانتا منارتين للعالم في العلوم بمختلف مجالاته، كما هو حال التنافس اليوم بين الجامعات لتصدر القائمة العالمية مثل: كامبردج وهارفارد وأكسفورد وغيرها.

في تلك الفترة كان هناك رجل يعيش في قرطبة سمع عن عالم وإمام في بغداد عنده من العلم ما لا يوجد مثله في الأندلس كلها، فهفت نفسه إلى نقل ذلك العلم إلى بلده. ولكن المسافة طويلة والطريق شاق وخطر، وهو لا يملك ثمن الراحلة لأنه من طبقة الفقراء المعدمين. ولا تندهش أيها القارئ إذا علمت أن هذا الرجل قد قطع تلك المسافة مشيا على الأقدام! من أجل الحلم والعلم. وللمعلومية وبحسب (الأستاذ) قوقل، فالمسافة بينهما (قرطبة وبغداد) 5978 كم عن طريق أوروبا. ولا شك أن الرحلة عن طريق المغرب وشمال أفريقيا إلى بغداد في ذلك الزمن أطول وأوحش وأصعب، ولكنها العزيمة العظيمة التي تطير بك كالجناحين إلى آخر الدنيا.


هذا الرجل الذي أحدثكم عنه مشى على قدميه أكثر من أربعة أشهر من أجل هدف واضح، (والله يعلم ماذا صادف في الطريق من وحشة ووحوش وقطاع طرق) وحين وصل إلى بغداد تفاجأ بأن ذلك العالم (بروفسيور عصره في علم الحديث بلغة الأكاديميين) محبوس بإقامة جبرية في بيته وممنوع من قبل الخليفة أن يكون له مجلس علم أو محاضرات أو ندوات.

في هذا الموقف المؤسف ماذا ستكون ردة فعلنا لو كنا نحن ذلك الرجل الذي قطع كل تلك المسافة مشيا على الأقدام؟، هل سنقول: «حظي ردي»؟! أو ترديد مثل: «وين ماطقها عوجا»، أو كل ناس حظهم أحسن مني، وغيرها من شلال الكلمات التي نظل في الغالب نرددها على أنفسنا سرا وجهارا حتى للأسف يصدقها عقلنا الباطن ونقتنع بها. تلك التساؤلات والأفكار ستراودنا وقد نحزن ونتعب ونتضايق لأننا بشر، ولكن الذي يتعدى تلك المرحلة هو الناجح، بل هو السعيد فعلا لأنه من الغد سيبدأ بالبحث عن الحلول والبدائل، وهو موقن بقوله سبحانه وتعالى: «فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا». هذا الرجل الذي كان يبحث عن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-، ذهب إليه وأصر أن يقابله ويتعلم منه في بيته بحيلة في قصة طويلة ومشهورة، فانقلبت المحنة إلى منحة رائعة، وبقي لنا منها دروس نتعلمها عبر الأجيال.

ذلك الرجل هو العالم بقي بن مخلد القرطبي الذي أصبح من العلماء ذوي المكانة الرفيعة في عصر الأمير محمد بن عبدالرحمن الأموي بعد عودته من رحلته الشاقة والطويلة. وكان له الفضل في نقل علم الحديث إلى الأندلس، ليسطر لنا حقيقة أن الجهد والبذل يؤتي ثماره ولو بعد حين. وصدق أبو الطيب المتنبي حين قال: لولا المشقة ساد الناس كلهم.
المزيد من المقالات