منتخبنا يقف لنا معلما

منتخبنا يقف لنا معلما

الأربعاء ٢٧ / ٠٦ / ٢٠١٨
عندما أتناول منتخبنا الوطني.. أتذكر قصص الملاحم.

فمن أساطير الفينيقيين أن طائر الفينيق يحترق ثم ينتفض من الرماد وينيعث من جديد أقوى وأسرع، وبقدرة على الطيران العميق أكثر في أجواز الفضاء.


كان من حظ منتخبنا أن يكون في جدول أول مباراة ومع الدولة المضيفة روسيا بكأس العالم ٢٠١٨. وتحت هيبة الافتتاح، وجمهور بعشرات الآلاف يهدر كالرعد، ويقصف كالبرق ، وكأن أولادنا وسط إعصار صاخب يدير الرؤوس ويخلع القلوب. وكانت مفاجأة أن نُمنى بهزيمة مدويّة لم تكن في الحسبان.. وصرنا محل سخرية ونكات العالم. والله وحده يعلم الحالة النفسية للاعبين في عقاب الذات وثقل الحزن وعض أصابع الندم تلك الليلة.

ونحن أيضا شعرنا بالألم والإحباط واليأس وفقدنا الثقة بمنتخبنا. وتمنينا لو لم نصل لكأس العالم فإن هزائم مخزية قادمة قد تكون هي المآل.. وهنا بدا وضوح نقص الإيمان. لأننا خرجنا متسرعين (ومقتنعين) بأن هذا المنتخبَ لا طائل من ورائه. فهم كتيبة مشتتة وبلا خطة واضحة، وارتباك عظيم، فانهار جدارنا الدفاعي.. وتلاشت في مخيلة اللاعبين صورة ومعنى الهجوم.

لذا عندما أتحدث عن منتخبنا اربط معه الحديث عن فضيلتَي الصبر والإيمان. ففي المباراة مع الأروغواي، الجميع غطس في مياهٍ سوداءٍ من قراءة الطالع، واعترف أننا شاركنا في الانضمام لأولئك الضاربين بالودع متنبئين بأنها ستكون فضيحة مجلجلة من موسكو حتى كامل الكوكب، خصوصا مع شراسة الهجوم الأرغواني الضارب وضُعف دفاعنا المتهاوي. على أن لاعبينا صعقوا العالم في الفرق بين المباراتين، واتضحت قوة اللاعب السعودي ومهاراته، ولمع نجومنا بالدفاع برجولة وفن في تعطيل سواريز الذي تحبه الكرة وتستدعية الشبكات، وكيفاني المندفع اللاسع.

لم يصدق أحد، ولا نحن، بهذا الانبعاث الفينيقي الذي بزغ من الرماد ليضيء كامل الملعب وشاشات مئات الملايين.. ولولا غفلة سريعة سجل منها غواريز هدفا علينا لتعادلنا على الأقل. ثم تكسرت كل جهود الاروغوانيين في الوصول لهدف منتخبنا.. ولاعبونا لمعوا بالملعب قابضين على التفوق والسيطرة.

أما في مباراتنا مع مصر فحلق طائر الفينيق متسيداً الأفق. كان الاستحواذ على الكرة عاليًا لصالح كتيبتنا ، مع أن المنتخب المصري مليء باللاعبين الكبار الدوليين وأولهم محبوب العرب محمد صلاح. وكان الوصول للمربع المصري الدفاعي سهلا بسبب مهارات إدارة اللعب والهجمات والسرعة والرشاقة واللياقة الواضحة.. وتمكن سالم الدوسري من إرهاق النجم الكبير الدفاعي أحمد فتحي بسرعته وخفته ومهاراته اللافتة في التجاوز.. وسجل هدفا.. وفزنا.

علّمنا منتخبنا درسًا بأن روح البطولة شعلة لا تنطفي مهما كانت شدة الصعوبات ونفخ الرياح. وعلمنا أن نؤمن أكثر ونثق أكثر.. ونتريث أكثر، وأفرحنا.. أفرحنا كثيرا.
المزيد من المقالات
x