لوغاريتمات الصحافة والروبوتات

لوغاريتمات الصحافة والروبوتات

الاثنين ٢٥ / ٠٦ / ٢٠١٨
تتجدد باستمرار الآليات والوسائل التي يبتكرها البشر في كافة شؤون حياتهم على مرّ تاريخ تطور الحضارات البشرية، كما يؤدي أي تطور نوعي في طرق التعامل مع المستجدات إلى تحول كامل عن إيقاع الحياة التي تسبق ذلك الابتكار. وفي عصرنا الحديث، لطالما تساءل بعض الناس عن جدوى الأتمتة automatization (التحول إلى التحكم الآلي في تسيير الأمور)، التي غزت كثيرًا من مجالات حياتنا المعاصرة، لكنها فرضت نفسها في أغلب شؤون حياة المجتمعات المهمة، خاصة ما يتعلق منها بالأمن والمال والتعليم والصحة وتدفق المعلومات الهائلة بواسطة أجهزة الذكاء الصناعي، ومساعدة فضاء الانترنت والحواسيب الفائقة السرعة. ونتيجة لتلك التطورات أصبح النظام الآلي هو المسيطر في قضايا الأمن (في الوثائق والمنافذ والمطارات)، كما صار هو الأساس في قضايا التحويلات المالية ومداولات البنوك، إلى الدرجة التي يقال فيها ان البنوك في طريقها إلى الاختفاء قريبًا.

لكن ماذا عن الصحافة وعلاقتها بموضوع هذه التطورات؟ في الواقع أنها لم تعد بعيدة عن تلك النشاطات الأمنية والمالية، فكثير من الأخبار التي تصنعها برامج التطبيقات الالكترونية، مما أصبح يطلق عليه «الصحافة الروبوتية» automation of news، ستجعل مهنة الصحافيين زائدة عن الحاجة، وفقًا لتقارير الاستطلاعات المستقبلية. فقد نشأ ما يسمى «لوغاريتمات الصحافة»، التي تتميز بأنها تختار المعلومات المناسبة للمستفيدين، ثم تصنع إجراءات التوليف اللازمة لجعل هذه المعلومات متماسكة ومفيدة وتفاعلية، وتسهم في تكوين ما أصبح يطلق عليه في هذه الأدبيات «التفكير الحاسوبي». وتبعًا لدراسة كارل جوستاف لندين من جامعة هلسنكي، التي نشرت في مجلة The Journal of Media Innovations، سنة 2017م، عن تأثير استخدام اللوغاريتمات في إنتاج المحتوى الإعلامي، وكذلك بشأن مساحة التحول عن ممارسات الصحافة المعيارية التقليدية، فقد طرح الباحث سؤالًا جوهريًا: كيف سيتعامل المدراء والصحافيون والمبرمجون مع هذه التطورات في مستقبل صناعة الإنتاج الصحفي وبث الأخبار وكتابة المقالات ونقل المعلومات؟ وسؤالًا فرعيًا لاحقًا: كيف يمكن لهذه الأتمتة أن ترفع من دور الصحافيين من الوظائف المعتادة إلى مواقع أكثر ديناميكية في النقل والتحرير؟ وتوصل إلى بعض النقاط المهمة في هذا الشأن، منها أن هذه الوسائل الجديدة تقلل من مساحة الأخطاء المعتادة في الإنتاج البشري، إذ أصبح الحاسوب ينجز كل شيء تقريبًا بدرجة عالية من الدقة، مثلما أنها تزيد من قدرة الوسائل الإعلامية على نقل الصور المناسبة في الدقة والحجم والكثرة من جهة، وفي إمكاناتها التفاعلية من جهة أخرى.


إذ أصبحت الإمكانات المتاحة لبدء تحرير المقالة أو المادة الصحفية تبدأ بخطوات سهلة، مثل: 1- أوجد المعلومات - أو البيانات أو الأخبار - المتعلقة بموضوع «الفضول الإنساني» على سبيل المثال، 2 - انتج مقالة من 200 كلمة، وأطلقها إلى المحرر أو إلى الجمهور مباشرة (وبالطبع يمكن أن تنطبق هذه الخطوات على أخبار المستجدات السياسية للأحداث، أو التنبؤات الاقتصادية وغيرها).

وبالرغم من السهولة والسرعة والفاعلية، التي تتميز بها هذه التطورات، إلا أن هناك بعض العوائق حاليًا، مثل التصادم مع بعض القيم الاجتماعية والمسلمات البيئية، أو عدم التواؤم مع سلسلة مراحل التفكير المنطقي في ثقافة معينة. لكنها أيضا على الجانب الآخر تخلق وظائف ومجالات جديدة، مثل إنشاء قواعد بيانات ضخمة لكل حقل من حقول حياة الناس الاجتماعية والعلمية والعملية في المؤسسات الصحفية، التي تعتمد على لوغاريتمات الصحافة. إضافة إلى ذلك، فإنها تساعد على التقليل من مساحة عمليات الكذب والتزييف والمبالغات والتكرار، التي تمارسها الصحافة في كثير من بلدان العالم، وتعمل أيضا على دمج البيانات المختلفة من مصادر متعددة، ربما لا تكون ممكنة في حالات الصحافة التقليدية لمحدودية القدرات البشرية.
المزيد من المقالات
x