مقتطفات من ذكرياتي (18)

مقتطفات من ذكرياتي (18)

السبت ٢٣ / ٠٦ / ٢٠١٨
ما كان من شأن الشيخ «العلجي» وهو في بلدة «هجر» «واعظًا» مُتمَكنًا، ومُتسلحًا بأصول العقيدة السلفية الصافية. أمَّا في بلدة «الكويت» التي كان يتردد عليها كثيرًا فله فيها شأن مماثل آخر، وهو شأن أرى، من الناحية التاريخية والعلمية، أن يعلم عنه لِداتي وأتـرابي المعاصرون في أيامنا هذه.

والكشف عن أحوال «الحراك الثقافي» ذي الغليان الذي كان للشيخ «العلجي» باع طويل فيه في بلدة «الكويت» يحدوني، وبكل أمانة علمية وتاريخية، أن أتقصى عن شخصنة حالة رجل «كويتي» كان مُخضرمًا في حياته إذ عاش في أحضان «دعاة المعتقد الديني» في بلدة «هجر»، و«دعاة الإصلاح» في «الكويت» على حدً سواء إلاَّ أنه بعد أن تقدَّم به السن مَالَ إلى «دعاة الإصلاح» ضاربًا بكل دعاوى وأفكار الدعاة الحامين «للمعتقد الديني السلفي» كما توارثه الأبناء عن الآباء والأجداد سواء في «الكويت» أو في بلدة «هجر» أو في شتى الأقطار العربية عرض الحائط. هذا الرجل يدعى «صقر الشبيب». ولقد أَعَدَّ أحد أصدقائه الخلَّص دراسةً مستفيضة عن حياته، وعن فلسفته، ومجالات نشاطه، وأرى أنه بدون دراسة أحوال هذا الرجل تنهار كل أسس «الحراك الثقافي» الذي أعنِيه، وأتناوله، في موضوعية تامة إذ هو «حراك ثقافي» لا مثيل له قد رَمَى بظلِّه على أحوال بلدة «هجر» نفسها؛ وهي البلدة التي، كما سبق القول، كانت الغالبية العظمى من سكانها تغط في أمية لا مثيل لها وقتها. فمن هو «صقر الشبيب»؟ اسمه الكامل «صقر بن سالم الشبيب»، من مواليد «الكويت» مُبصرًا، ولسوء حظه أُصيب بالعمى في سن التاسعة من عمره. ولكي لا يكون في حياته عاطلاً تم توجيهه لحفظ كتاب الله، ومَنْ يَحْفَظُ «القرآن الكريم» مثله كان يُطْلَبُ منه لكي يكسب لقمة العيش أن يقرأ القرآن كلة أو أجزاء منه إمَّا في البيت أو في المسجد أو على القبر «كثواب» لصالح الموتى وفقًا «للوصايا» التي أوصى بها أصحابها قبل الوفاة. كما كان والده يطلب منه بَعْدَ أن حفظ «القرآن الكريم» أن يلتحق بحلقات الذكر،. لم يحقق الابن رغبة الوالد لشغفه بمطالعة كتب التراث العربي، وبالأخص الشعر العربي، وحفظ قصائد منه، ناهيك عن مصاحبة عشاق الثقافة والأدب. وَوَرَدَ أن «الوالد» كان يُرَدِّدُ على مسامع «الابن» بعد أن شَرَعَ يحبر «الشعر» مذكرًا له بالآية الكريمة: «والشعراء يتبعهم الغاوون» بغرض صرفه عمَّا اتجه إليه. كانت العلاقة بين «الأب» و«الابن» متوترة ذات نفرة وعدم وِئام، «الأب» في واد، و«الابن» في واد آخر. ابتعد «الابن» عن «الأب»، وكان لكل واحد منهما اتجاه مضاد لِلآخر لدرجة أن النفرة وعدم الوئام كانتا رمز وِحْشَةٍ بينهما. ومن الصدف ذات الشأن الهام في حياة «صقر» أن له صديقا هو الشيخ «محمد بن حمد الرومي»، ولهذا الصديق زوجة في «الإحساء» وهي ابنة الشيخ «عبدالعزيز العلجي» حامل شعلة الدفاع عن «العقيدة السلفية»، والقصة هي أن «محمد بن حمد الرومي» من طلبة العِلم في «الكويت»، وفي سبيل طلب العلم توجَّه لبلدة «هجر» لما عَلِمَ عنها أنها موئل الدراسات الدينية في مدارس «وعظها» و«أربطتها». دَرَسَ «الرومي» فقه الإمام «مالك» على يد الشيخ «عبدالعزيز العلجي» في مسجد «البداح»، كما حفظ «الرحبية» في «علم الفرائض» على يدي شيخه، وانتهى المطاف بِطالب العلم فَخَطَبَ من شيخه ابنته فوافق الشيخ «العلجي» على ذلك. تزوج «الرومي» بنت الشيخ، وأنجب منها ولدًا سماه «عبدالله»، وكان لهذا الولد شأن كما سبق ذكره إذ خَلَفَ جده باعتباره «سِبطه» في إمامة مسجده «مسجد البداح» بعد وافاته، وهو مسجدٌ كانت لي علاقة به، وقد سبق الحديث عن هذه العلاقة. وبعد عودة «محمد الرومي» «للكويت» التقى بصديقه «صقر» فبادره بالحديث عن شيخه «العلجي»، وأنه تلقى العلم على يديه، وقد انتهى المطاف به بتزوِّج ابنته. ولِأن «صقر» كان كفيف البصر بعد التاسعة من عمره فقد رَغَّبَهُ صديقه «الرومي» ليتوجه لبلدة «هجر» ليطلب العلم الديني في «أربطتها» ومدارس «الوعظ» بها. استحسن «صقر» نصيحة صديقه فتوجَّه لبلدة «هجر» في عام 1332هـ الموافق 1914م، وأقام بها سنة ونصف السنة، ولازم بعض طلبة العلم هناك وبالأخص الشيخ «العلجي». وفي هذا الخصوص رَوَى «صقر» بنفسه عن حالته في بلدة «هجر»، وحالته بعد مغادرته لها لصديق آخر مجاور له في السكن في «الكويت» يدعى «أحمد البِشر الرومي» المولود عام 1905م والمتوفى عام 1982م، ولأن «صقر» كفيف البصر كان جاره «أحمد» يقرأ له في كتب الأدب والتراث العربي. وبعد وفاة «صقر» قام «أحمد» بجمع أشعاره في ديوان كتاب بمسمى: «ديوان صقر الشبيب». وكان «أحمد» مدرسًا في «المدرسة المباركية»، كما كان من الدَّاعين إلى «تعليم المرأة». وما رواه «صقر» لصديقه وجاره «أحمد» عن حالته حينما كان في بلدة «هجر» وحالته بعد مغادرته لها له أهمية تاريخية تفوق الوصف لا سيما أنه رَوَى ما كان يدور بِخَلَدِهِ من «تباريح» أثناء وجوده في بلدة «هجر»، بلدة الشيخ «العلجي»، وعن مدى تأثير مخالطته لطلبة العلم فيها على بُنيته النفسية والثقافية. لنَقرأ ما قاله «صقر» لصديقه «أحمد»: «عندما كنتُ في الإحساء كنت أحس بأنني في بيئة غريبة، وبين سكان أنا غريب فيهم، فتفكيرهم يختلف عن تفكيري، واتجاههم يختلف عن اتجاهي، ويوم كنتُ في الإحساء كنتُ تلميذًا لا يصُح لي -حسب العادة هناك- أن أناقش الشيخ في مسألة ما، فعليَّ أن أسمع وأحفظ فقط، وكثيرًا ما يُقررُ الشيخ في أثناء دروسه مسائل أَرَى أن لي اعتراضًا عليها، غير أنني لا أستطيع أن اتفوَّه بذلك، أو أُبدِي بعض الملاحظات لأن ذلك يُعَدُّ في التعليم هناك اعتراضًا على الشيخ المدرِّس، ووراء ذلك ما وراءه من غضب الشيخ ونقمته». ولم يكتف «صقر الشبيب» بما رواه من معلومات، وهي معلومات مهمة، كان لها صدًى في مجتمع «الكويت» الذي عاد إليه، وهو المجتمع الذي احتضن النقيضين: «الانغلاق» و«الانفتاح»، بل أَرْدَفَ مُعبرًا عما كان يدور بخاطره فقال كما ورد في صفحة 12 من ديوانه: «ومما يزهد المرء في الإحساء تعصب رجال الدين، وتطرفهم في التعصب إلى حَدٍ يكاد يخرجهم عمَّا درج عليه السلف من علماء المسلمين، فهناك كل شيء مكروه؛ وليس في قاموس الحياة عندهم شيء اسمه التسامح، وسأقص عليك مشهدًا من المشاهد الكثيرة التي عاصرتها هناك.... نَمَى إلى [عِلم] هؤلاء الفقهاء أن هناك امرأة في حيِّهم بانت عليها أعراض الحمل، وهي غير متزوجة، فعقدوا اجتماعًا تداولوا فيه أمرها فاستقر رأيهم على عرْض قضيتها على القاضي ليحكم بإقامة الحد عليها -وهم فرحون بذلك- إذ إنهم لا يستطيعون تنفيذ ذلك إلاَّ بِحكم يصدر عنه، وكان يتولى القضاء أحد الفقهاء ممن أودع الله في قلوبهم شيئًا من الرحمة، وعندما بلغ القاضي أمر هذه المرأة أرسل إليها أحد نسائه لتخبرها بما سيتم في أمرها، وقالت إنني مغصوبة من رجل لا أعرفه وذلك في مكان الاحتطاب، فلما حضرت المرأة، وسُئِلت قالت نفس العبارة، فحكم القاضي بإعفائها من إقامة الحد عليها، وعندما عَلِمَ الفقهاء بذلك نَقَمُوا على القاضي... وبعد هذه القضية، وما قاسيتُه من الحمَّى لم أستطع البقاء في الإحساء، فغادرتها والحرب العالمية الأولى على أشدها، وقلتُ أبياتًا لا أذكر منها إلاّ هذا البيت:


لَئِنْ عُدْتُ لِلإِحْسَاءِ يَوْمًـــــــا فَإِنَّنِي

لَأَلأَمُ خَلقِ اللهِ طُــرًا وَأَفْجَـــــرَا».

أعلن «صقر» في شفافية تامة أنه لن يعود لبلدة «هجر» أبدا، كما أبان، من جهة، في أشعاره كما سنرى فيما يلي، مِنْ أنه ضد المجتمع المتحفظ المنغلق على نفسه، . كما أبان، من جهة أخرى، عن تطلعاته وتوجهاته التي انحاز فيها، كما سنرى، إلى دعاة الإصلاح والتنوير المرحبين «بالإنفتاح» في «الكويت». وكشف «صقر» عن حالة نفسية عنده مُؤدَّاها أنه كان يعيش بين نقيضين: «الانغلاق» و«الانفتاح» وذلك في الفترة التي كان مجتمعه، مجتمع «الكويت»، تنتشر فيه أفكار من طبيعة منغلقة على نفسها، وكان شغلها الشاغل حماية «المعتقد الديني» كما هو راسخ وثابت في بلدة «هجر» هذا من جهة، كما كانت تنتشر فيه من جهة أخرى أفكارٌ من طبيعة نهضوية تنويرية، وكان يُعزِّزُ من شأن الأفكار الأخيرة فريقان: فريق من داخل مجتمع الكويت منهم: «محمد بن حمد الرومي»، و«أحمد البِشر الرومي»، و«عبدالعزيز الرَّشيد»، و«يوسف بن عيسى القناعي»، و«مساعد الرفاعي»، وفريق من خارج الكويت منهم: «عبدالعزيز الثعالبي» المجاهد التونسي.
المزيد من المقالات
x