الشهرة والموهبة وأمور أخرى (2)

الشهرة والموهبة وأمور أخرى (2)

الاثنين ١٨ / ٠٦ / ٢٠١٨
عطفا على ما تقدم من طرح الموضوع في الجزء الأول، الذي كان مخصصا لتناول الشهرة وعلاقتها بالموهبة أو الوسائل البديلة الأخرى، نتناول هنا هذه الجدلية في إطار الثقافة الشرقية، ولدينا في مختلف البيئات المحلية على وجه الخصوص. وربما يمكننا البدء من قضية اهتمام المجتمع أو أغلب أفراده بربط أسباب الشهرة بما يقابلها من موهبة أو قدرات في أحد مجالات الحياة، سواء كان ذلك في الإطار المهني (أن يشتهر الطبيب ذو القدرات الكبيرة والمهندس ذو الإبداع المتميز والأستاذ المتمكن والمدير الحاذق والسكرتير البارع... إلخ)، أو كان في إطار الظهور الإعلامي والنجومية المبهرة لبعض من يخدمهم الحظ في صدف تجري في الحياة، دون أن يكون لهم في ذلك دور من ذواتهم.

وإذا كان اقتران الشهرة بالموهبة غير حتمي في البلدان المتقدمة، التي ذكرنا بعضا من أحوالها في المقالة الأولى، فإنه من المسلم به ألا تكون العلاقة وطيدة بينهما في المجتمعات الشرقية، التي تلعب فيها المجاملات وضروب الفساد دورا بارزا في تكوين هيكليتها، ومعايير القيم التي يراعيها الناس في الحكم على الأشخاص أو الأشياء، وكذلك في دخول الهوى في عمليات التصنيف وإبراز فئات الناس ودرجاتهم. ولا يفوت كثير منا المقولات التي تمتدح مثل ذلك السلوك العنصري، أو المتضمن درجة كبيرة من المحاباة لدائرة انتماء المرء أو الكيان الذي يتولى إدراج تراتبية الشهرة، وتوفير وسائلها وفقا لتلك الأسباب. وأظن أهم أسبابها سمات بنيوية تتصف بها العقلية الشرقية: منها المبالغة في الوصف، أو المديح للمرضي عنهم، أو الذم للمغضوب عليهم، وعدم التحديد الدقيق في التعريف أو تقديم الأشياء أو الأشخاص، حيث تختلط المصطلحات، وتصبح القضية عائمة تحتمل الشيء وضده، كما تتصف أيضا بنقص المهنية لدى بعض وسائل الإعلام المختلفة، مما يجعل بعض القصور في عدم وضوح الرؤية غير ناتج عن تعمد الضبابية، بقدر ما يكون ناتجا عن جهل بأصول الممارسة الإعلامية لدى كثير من المنتمين إلى هذا المجال، وهذه النقطة الأخيرة بالذات ربما تكون سببا ونتيجة أيضا لعدم تلازم الشهرة مع الموهبة.


فلو اطلع أحدنا على كتب التراث، لوجد كما هائلا من المبالغات في وصف من يتيسر له الريادة في مجال مهني أو علمي وفق معطيات عصره، حتى لو لم يكن له اتصال بتلك المجالات التي تنسب إليه زورا وبهتانا. فنجد مثلا أن فقيها أو لغويا محدود الإمكانات، وليس له من الإنتاج العلمي في تخصصه ما يشفع له بالإطراء المبالغ فيه، يوصف بأنه قد برع أيضا في الحساب والفلك والطب والتاريخ وغيرها، وكتب في هذه الحقول عشرات المصنفات، مع أنه قد لا يكون له أي كتاب مميز في حقله الرئيس، ولا يتجاوز علمه بعض النقولات المكررة عند سواه. وقد استمرت هذه الثقافة بأشكال أخرى تناسب العصر. أما عدم التحديد، فيتضح مداه من خلال اللبس الكبير في الثقافة الشرقية بين المصطلحات الرئيسة، منها على سبيل المثال في عصرنا الحاضر: «المثقف» و«العالم» و«المفكر» و«الداعية» و«الفقيه» و«العلامة» وغيرها، مما يوزع بالمجان ودون مراعاة لانطباق اللقب على مضمون فكر الشخص وثقافته وتكوينه وعطائه. وفيما يخص ضعف المهنية الإعلامية، لا أظننا بحاجة إلى أكثر من متابعة أغلب برامج الإعلام، التي يتصدى لإعدادها وتقديمها أناس تنقصهم الثقة في معرفة ما يتعلق ببرامجهم من مضامين. لذلك نجد أغلبهم يقول عبارة مسكوكة، ثم يترك المجال للضيوف ليقولوا ما يشاءون، ولا يعلم أين وصلوا، ليسأل سؤالا قد أعده مسبقا، وربما كان الضيف قد ذكر جوابه قبل السؤال المبرمج، أو يتداخلون بطريقة تضيع معها الفائدة من المقابلة.

المزيد من المقالات
x