كي لا يموت المرء «حيا»

كي لا يموت المرء «حيا»

الثلاثاء ١٢ / ٠٦ / ٢٠١٨
كتبت ذات مرة مقالا مطولا بعد زيارتي مع بناتي لمستشفى الظهران الخاص بالعجزة والمقعدين، وكان عنوان المقال «إنها الخامسة منتصف الليل». لم يكن العنوان اعتباطيا، فالزيارة كانت في الخامسة من مساء يوم الجمعة، وحينها كانت الممرات خالية، فلا زوار ولا حركة، وكأنما كنا هناك في منتصف الليل، أو كانت زيارتنا لمقبرة لا حراك فيها. وقد أشرت لتلك القصة في مقال سابق.

هزني المشهد آنذاك، وزادني ما سمعته من بناتي ألما وحسرة، فقد أخبرتني إحداهن، بأن المسنات اللاتي زرنهن تمسكن بأيدي بناتي كي لا يتركنهن. لم يختلف المشهد عما رأينه مع ما رأيته في أجنحة الرجال. في السيارة كان المشهد محزنا، والسؤال الذي تكرر بيننا هو، أين أقارب هؤلاء المسنين!؟


تذكرت تلك القصة التي مضى عليها فترة ليست بالقصيرة، وأنا أبحث في موضوع «الأربطة الخيرية» المنتشرة في المنطقة الغربية، وهو الموضوع الذي سأتطرق له في مقال آخر بإذن الله. وقد لفت نظري أثناء بحثي، تقرير عن بعض نزيلات تلك الدور.

إحداهن لديها ستة من الأبناء والبنات ومطلقة من زوجها، ورغم أن أبناءها في سن الشباب كما تقول، إلا أنها تسكن بين أربعة جدران، حيث لا يزورونها ولا يسألون عنها. وأخرى كانت زوجة لأحد رجال الأعمال في جدة وانتهى بها الحال لتسكن في ذاك الرباط، وثالثة تقول: إنها كانت زوجة لطبيب مشهور يملك بعض المراكز الصحية، لكنها اليوم تعيش وتسكن بين جدران أربعة، لا أنيس ولا ونيس.

اللهم اكفنا عوز الحياة... فإذا كانت الحاجة تذل صاحبها أحيانا، فكيف يكون حاله وهو كالسجين، منزو مستوحش من وحدته!!؟. الوحدة قاتلة حتى لو كانت بوجود كل ملذات الحياة، ووسائل الترفيه، فكيف نتصورها لمسن أو مسنة خلف جدران خاوية!!

أختم مقالتي بعبارة وجدتها في أحد التقارير تقول فيها إحدى المسنات: «أم أحمد تدعوكم لزيارتها». أرجوكم لا تنسوا هؤلاء ولا تتركوهم يموتون وهم أحياء..

ولكم تحياتي.
المزيد من المقالات
x