رمضان بين النسبي والحقيقي

رمضان بين النسبي والحقيقي

الثلاثاء ١٢ / ٠٦ / ٢٠١٨
هل سئمتم الحديث عن رمضان؟! أنا لم أسأم بعد وأرجو أن تكونوا مثلي، وأحاول جهدي ألا نخرج من أجوائه العبقة، فهو زائر طال انتظاره وها هو يمضي مهرولا بعيدا عنا. ولعل أينشتاين صدق حين قال: إن الوقت نسبي، فعندما تجلس مع الحبيب (رمضان) الوقت يمضي كالثواني، وأما الجلوس مع من تكره أو تستثقل، فكأنك تجلس على الجمر لساعات!.

ومن اللمحات المتعلقة برمضان هو تأثير التكنولوجيا علينا حيث من الملاحظ ازدياد عدد الذين يقرؤون القرآن من الجوال أو الكمبيوتر اللوحي في المساجد أو غيره من الأماكن. والأكيد أن التكنولوجيا غزتنا من كل جانب والمستقبل القادم ربما سنكون أكثر تعلقا به خصوصا مع تنامي الاهتمام والاستخدام للهواتف الذكية وتطبيقاتها.


إن قراءة القرآن من الأجهزة اللوحية والجوال لا شك أنه جائز ولست أناقشه من ناحية شرعية، بل من جانب آخر، وهو من الناحية النفسية والروحانية. ولعل البعض سيقول: الحمد الله أن هناك إقبالا على قراءة القرآن في رمضان بأي طريقة كانت!، . ولكن برأيي المتواضع أن القراءة من المصحف خصوصا ونحن في المسجد له طابع أكثر تأثيرا وروحانية. فالاستعداد له بالوضوء مثلا هو استشعار نفسي وروحاني على عكس القراءة من الجوال الذي لا يشترط فيه الوضوء للقراءة في رأي الأغلبية أو الجمهور. الأمر الآخر لمس صفحات القرآن وتقليبها والنظر فيها والتأمل له متعة ولذة خاصة. وقد نقل الشيخ بدر الدين الزركشي -رحمه الله- في كتابه البرهان: أن النظر للمصحف عبادة.

ومن خلال تجربتي، فقراءة القرآن من الجوال سيكون لها مشتتات كثيرة مثل الواتس أب، مواقع التواصل الاجتماعي، المكالمات والرسائل. وفي بعض الأحيان الفضول للبحث في الجوال عن أشياء أخرى بمعنى يقل التركيز، وتصبح القراءة للقرآن شيئا ثانويا وليست هي الأساس.

اللمحة الأخرى أن رمضان سيرحل قريبا، والسؤال ما العمل أو العادة التي اكتسبتها؟. وبعيدا عن التنظير!!، ما الأمر (حتى ولو كان بسيطا) الذي داومت عليه في رمضان وتستطيع أن تواصل العمل به بعده؟. ودع عنك النظر إلى الهدف الكبير في الوقت الراهن حتى لا تستثقل الأمر، وابحث عن أمور صغيرة من هنا وهناك، فهي حين تجتمع تصبح كبيرة، والعبرة بالنية والإخلاص، وتلك هي الحقيقة لا بكبر العمل أو صغره. فرب اعتياد إماطة الأذى عن الطريق أو المشاركة في عمل تطوعي أو صدقة متواضعة أو صلة رحم أو ورد صغير من القرآن تواظب عليه بعد رمضان خير من كثير من الأعمال التي يقوم بها البعض لمجرد القيل والقال أو من أجل التصوير على مواقع التواصل الاجتماعي!. وتلك للأسف ظاهرة أصبحت منتشرة عند البعض حتى صار التفريق صعبا جدا بين النية الحسنة وحب الشهرة والظهور، والنفس البشرية مراوغة وخداعة.

وقد أدركها الخبير في هذا المجال الإمام أبو حامد الغزالي -رحمه الله- حين اعتزل الناس والشهرة لمدة عشر سنوات وذلك في عز شبابه (منتصف الثلاثينات من عمره). وقد لقيه تلميذه القاضي ابن العربي ورثى لحاله حين رأى ذلك التقشف والفقر واللباس العتيق البالي بعد أن كان يأكل ويلبس أفضل الطيبات، فقال له: تركت العلم والتدريس والمناظرات العلمية في بغداد من أجل هذا؟! فقال له الإمام الغزالي: دع عنك لم يكن لله؟!. لقد كان الصراع قويا في نفس الغزالي بين الأضواء والشهرة وبين إخلاص النية، فكيف لو عاش في زمن صار أغلب ما نقوم به من عمل لا بد له من تصوير «سناب» يتبعه!

وكل رمضان ونحن إن شاء الله خير من الذي قبله.
المزيد من المقالات
x