مقتطفات من ذكرياتي (16)

مقتطفات من ذكرياتي (16)

الجمعة ٠٨ / ٠٦ / ٢٠١٨


متأنية للفقرات الأربع المذكورة سلفًا نجد أن «محمد فريد وجدي» قد كَشَفَ عن إنائه، وعن وضوح مسلكه، ولا جَرَمَ أنه كان أمينًا مع نفسه. ففي «الفقرة الأولى» نجد أنه «باحثٌ» في مواضيع فلسفية أراد بها إقامة صرح مشيد للدين الإسلامي في عصر اشتهر بزعزعة أركان الأديان، وفي «الفقرة الثانية» نجد أنه «مؤمنٌ» بما أحدثته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم للبشرية جمعاء، الرسالة التي قَلَبَتْ موازين القوى في عهد الرسول، ولا تزال أصداؤها حتى عصرنا هذا ذات دوي، فهي إكسير حياة تجمع بين الدين والعلم، وفي «الفقرة الثالثة» نجد أنه «محاربٌ» ضد الجمود، وضد إرث الآباء للأبناء بدون تأمل، وفي «الفقرة الرابعة» نجد أنه «عصريٌ» قد فسر الآية الكريمة «إنا هديناه السبيل إمَّا شَاكِرًا وإمَّا كَفُورَا» أن السبيل هو: سبيل الكمال، سبيل الجمال، سبيل الرحمة، سبيل الهدى، سبيل التقدم، سبيل التمدن. وهو السبيل الذي سار عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من بعده.


وَأَخْلُصُ مما سبق، وبأمانة، أن «محمد فريد وجدي»، وكما قال عنه معاصروه وتلامذته: «باحث»، «مؤمن»، «محارب»، و«عصري».

وللشيخ «العلجي» -رحمه الله- صولات وجولات ضد كل دعاة «التمدن» و«العصرنة» سواء في بلدة «هجر» أو في البحرين أو في الكويت، البلدتين المجاورتين لبلدته. وهو في صولاته وجولاته لم يبال أن يعلنها حربًا شعواء لا مواربة أو مرية أو شك فيها . وله أنصار ومؤيدون وقتها في بلدة «هجر». والذين تصدوا للشيخ «العلجي» من دعاة الإصلاح والتمدن كُثْرٌ. وما تَمَّ من حراك ذي أطياف ثقافية ليس إلاَّ صدًى لانتكاسات سياسية انتابت بلدان منطقة الخليج العربي بفعل «الاستعمار البريطاني» الذي كان جاثمًا بِثقله على المنطقة، والذي فَتَحَ الأبواب على مصراعيها لِكل داعية مهما كان طيفه أو لون مذهبه ومعتقده أن يبثَّ دعاواه كما يشاء في البلدان والأقاليم الخاضعة لسيطرته.

والذي يظهر لي، كما يلزم أن يتيقن منه لِداتي وأترابي في أيامنا المعاصرة، أن الشيخ «العلجي» وقتها، وهو «ابن بيئته» المفرغة من كل تأمل علمي حيث كان متمشيًا، في مقاومته ضد كل من يحاول المساس بما رواه «مسلم» في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلِسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

وتمشيًا مع منطوق هذا الحديث رأى «العلجي» وقتها أن «التمدن» خِسة، وأنها دعوة ذات أطياف أوروبية ويونانية، وأن نواتها مؤلفات تدعو إلى «الزندقة» و«العصرنة»، ناهيك عن مطالبته بمحاربة مؤلفيها لأنهم أهل زور وبهتان. هذه هي خلاصة وجهة نظر «العلجي» الذي يَرَى أن كل ما سبق ذكره منكرٌ لا تقره الشريعة بحال من الأحوال، ولِأن في قدرته ومكنته تغيير ذلك بسلاح وحيد عنده وهو «سلاح الشعر» فهو لم يتوان في استخدامه للدفاع، والمنافحة، والمقاومة.

كان الشعر هو وقود «الحراك الثقافي» لدى كل طرف: مَنْ يدافع عن «المعتقد الديني السلفي»، أو مَنْ يدعو «للتمدن والعصرنة». وكان الشيخ «العلجي» وهو يستخدم الشعر «كإستراتيجية» ينادي وبإلحاح نَفْيِ ما يدعيه خصومه عنه سواء في بلدته أو في «الكويت» التي كان يتردد عليها مرارًا مِنْ أنَّ منهجه نابع من إرث الماضي، أو أنه من منهج عفى عليه الزمن، ولا يتماشى مع روح العصر.

لهذا سوف أتتبع حال الشيخ «العلجي» في بلدة «هجر» كمرحلة «أولى»، ومن ثم حاله في «الكويت» كمرحلة «ثانية».

عن حاله في بلدة «هجر»، فلقد سبق الحديث عنه أنه كان حامِلًا لواء الحفاظ على المعتقد الديني كما هو مُؤَصَّلٌ في مدارس «الوعظ» و«الأربطة» التي له فيهما باع طويل.

بدأ «العلجي» نشاطه الديني حينما تقلَّد إمامة مسجد «آل بداح» الذي يقع في «حي الرفعة» بمدينة الهفوف، وكان يتولى التدريس والوعظ فيه، كما كان يُمارس الوعظ فيه. وقد تتلمذ على يديه كثير من طلبة العلم. وفي سبيل الحفاظ على المعتقد الديني السلفي رأى، ومن باب أولى، أن يسلط نشاطه في هذا الشأن في مسقط رأسه حتى لا تصل إليه دعاوى للتمدن والنظر في العلم في ظلال مبادئ الإسلام التي كانت مجال انتشار في الدول المجاورة. وكان ممن انتشرت أفكاره وقتها «محمد فريد وجدي» الذي كان يدعو للتمدن، كما كَتَبَ كثيرًا عن «الإسلام في عصر العلم». وَجَدَ الشيخ «العلجي» -رحمه الله- ضالَّته المنشودة في هذا «الداعية»، وفيما كان يَنشره من أفكار كانت عنده منكرة. بدأ الشيخ حملته في شفافية تامة، ومن منطلق البيئة التي ينتمي إليها، على أن من يدعو «لِلعصرنة» و«لِلتمدن» لا إيمان له، كما شبَّه الشيخ «العلجي» هذا «الداعية» وغيره من الدعاة بألفاظ مستهجنة فَنَعَتَهُم «بالخفافيش» و«الْجُعَلِ» لأنهم دعاة فسادٍ وإفساد تاركين وراء ظهورهم كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. عبَّر «العلجي» عن وجهة نظره، وكان من منطلقاتها البدء بتكفير السيد «فريد وجدي» مؤلف كتاب «الإسلام في عصر العلم»، ونَعْتِ مُشايعيه الذين سمَّاهم حزبه بأنهم «حزب الشيطان» فقال:

يَا عَائِبًا مِنَّا الْجُمُــودَ وَطَالِــبًا

مِنَّا التَّمَدُّنَ إِنَّكَ الْحَيْـــرَانُ

إِنَّ التَّمَدُّنَ لَوْ عَلِمْتَ فَخِسّــةٌ

جَاءَتْ بِهَا الأُورُبُّ وَالْيُونَــانُ

كَفَارُكُمْ «وَجدِي فَرِيـــدُ» وَحِزْبَــهُ

حِزْبُ الضَّلاَلَـةِ قَادَهُ الشَّيْطَانُ

وكما نرى لم يتوان «العلجي» في شن حملة شعواء على «وجدي»، وعلى ما يُطالب به من «تمدن» إذ إن التمدنَ عنده «خسة»، كما حَمَلَ أيضًا على من سايروه من المعجبين بدعاوى الإصلاح، ونَعَتَهُم بالْجُعَلِ والخفافيش، أو المتكبرين كتكبر السَّكارى:

لَمَّا رَأَى حَمْقَى الْـوَرَى فِي عَصرِنَا

إِذْ كَانَ يُغْشِيهَا سَـنَا النِّيرَانِ

صَدُّوا صُدُودَ الْمُعْجَبِينَ بِرَأْيِهِــمْ

وَتَكَبَّرُوا كَتَكَبُرِ السَّكْـرَانِ

هَمْ شَابَهُوا فِي حَالِهِمْ «جُعْـلاً» إِذَا

أَرْدَاهُ طِيبٌ عَاشَ بِالإِنْـتَانِ

وَحَكَـوْا «خَفَافِيشًا» تَطِيرُ بِظُلْمَـةٍ

إِذْ كَانَ يُغْشِيهَا سَــنَا النِّيرَانِ

وفي أفكار ذات تسلسل عند «الشيخ» ربما يكون فيها منطق مقنع رأى أن ما كان بِيد المروجين لدعاة العصرنة والتمدن من سلاح هو مؤلفات من طغاة ذوي فصاحة وبيان، ولكنها فصاحة وبيان أخبث في تأثيرها ومفعولها من أذى الثعابين:

فَاسْتَبْدَلُوا عَنْهَا لِسُوءِ حُظُوظِهِــمْ

بِمُؤَلَّفَاتٍ مِنْ ذَوِي الطُّغْـيَانِ

قَوْمٌ هُمُ عُجْمُ الْقُلُوبِ وَإِنْ دَعُــوا

أَتْبَاعَهُمْ فَصَاحَةً وَبـَيَانِ

مُتَجَبِّرِينَ عَلَى الْكــرَامِ بِأَلْسُــنٍ

أَبْـذَى وَأَخْبَثَ مِنْ أَذَى الثُّعْبَانِ

تَلبَّسَ هؤلاء الطغاة من ذوي الفصاحة والبيان وحلو المنطق، كما يرى «العلجي»، بدعوة لعلها دعوة مُرضية ومُقنعة، ولكنها، في حقيقة الأمر، دعوة مُرضية لِلشيطان لأنها جاءت من أعداء دين الله:

مُتَلَبِّسِينَ بِدَعْوَةْ مَرْضِــيَّةٍ

لَكِنَّهَـــا مَرْضِيَّةُ الشَّيْــطَان

يَا فِرْقَـةً لَعِبَتْ بِغَيْرِ عُقُولِهِــمْ

أَعْـدَاءُ دِينِ اللهِ بِالْعِمْـدَانِ

هُمُ حَسَّنُوا لَكُـمْ الْفَسَادَ فَقُلْتُمُ

هَـــذَا الصَّلاَحُ الْمَسْتَجِدُّ الدَّانِي
المزيد من المقالات
x