خطوات إلى القرب الإلهي

خطوات إلى القرب الإلهي

الخميس ٠٧ / ٠٦ / ٢٠١٨


القرب الإلهي من عباده حقيقة ينبغي ألا نذهل عنها، ألم يقل ربنا: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].


وقد وردت هذه الآية وسط آيات الصيام، إيحاء إلى أن شهر رمضان من أعظم أوقات القرب الالهي وإجابة الدعاء، وقد تولى الله الإجابة بنفسه، دون واسطة (قل) إيماء إلى قربه وسرعة إجابته.

وألم تسمع قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه -رضي الله عنهم- لما تعالت أصواتهم بالتهليل والتكبير: ((يا أيُّها الناس، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدْعون سميعًا قريبًا، أقربُ إلى أحدكم من عُنُق راحلتِه)) رواه مسلم.

والإيمان بهذا القرب الإلهي يكون على ما يليق بجلاله وعظمته إثباتًا بلا تكييف ولا تمثيل، وعندما يستشعره المرء يجد له لذة لا تعدلها لذّة ولا تبلغها رغبة، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: «والقرب يوجب الأنس والهيبة والمحبة» كما ينال المؤمن من ربه لطفه وحِفْظه وتوفيقه، وعنايته وتأييده وإجابة دعائه.

فهل من خطوات تقربنا إلى ربنا -عز وجل- وتدنينا من معيته؟

تستطيع ذلك في كل وقت، ولك في رمضان فرص ذهبية للتقرب إلى الله -تعالى- منها:

الأول: أن الصيام يُعلي مطالب الروح على مطالب الجسد حيث يكف تسلط الغرائز وجموح الشهوات، فأنت طوال ساعات النهار تدع طعامك وشرابك وشهوتك من أجل الله -تعالى-.

الثاني: أداء الفرائض وإكثار النوافل: حيث تخطو الأقدام إلى المساجد لأداء الصلوات المكتوبات وصلاة التراويح، وقد قال ربنا -عز وجل- في الحديث القدسي: ((ما تقرَّب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إلي بالنوافل حتى أُحِبه..)) رواه البخاري.

والصلاة وسجودها منتهى القرب من الله تعالى كما في الحديث: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» رواه مُسْلِمٌ.

الثالث: التهجد وقت السحر، لا سيما في العشر الأواخر و(أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ العَبْدِ في جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ في تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ». رواه التِّرمذي

وجدير بالتنويه أن القرب من الله لا يعني البعد عن الناس، بل إن الله يجعل من مواطن قربه عز وجل أن تكون في حاجة الناس، كما جاء في الحديث القدسي: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟) من حديث مسلم.

وإذا اغتنمت لحظات قربك من الله، وتوجهت إليه بالدعاء أجاب دعوتك بما تقتضيه حكمته لا مطلق رغبتك، وفي الحديث: (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها مأثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه إحدى ثلاث: إما أن يستجيب له دعوته أو يصرف عنه من السوء مثلها أو يدخر له من الأجر مثلها قالوا: يا رسول الله إذا نكثر قال: الله أكثر) رواه الترمذي.

إن هذا القرب الإلهي لا ينتهى بنهاية رمضان، بل هو علاقة مستدامة بين الله وعباده لا تنقضي ما داموا على قيد الحياة.
المزيد من المقالات
x