الاحتكار ينخر في جسد الاقتصاد الأمريكي

الاحتكار ينخر في جسد الاقتصاد الأمريكي

الثلاثاء ٠٥ / ٠٦ / ٢٠١٨
تراجعت أرباح المزارعين في ولاية ميزوري الأمريكية؛ وذلك ببساطة لأن شركة مونسانتو -المتخصصة في البذور والمنتجات والمبيدات الزراعية- تحتكر وحدها الصفات الوراثية الرئيسية لأكثر من 90% من فول الصويا و80% من الذرة، وهو ما يعني أنه بوسعها تغريم المزارعين أسعارًا أعلى بكثير.

وعلى الجانب الآخر يتعرض المزارعون لضغوط كبيرة من جانب مصنعي الأغذية الذين يشترون إنتاجهم الزراعي، في ظل اندماجهم داخل شركات ضخمة تتمتع بقدرة سوقية كبيرة تمكنهم من فرض أسعار متدنية على المزارعين.


ويشير تقرير مجلة (صالون) الأمريكية إلى أن ذلك لا يعني انخفاض أسعار المواد الغذائية بالنسبة للمستهلك، ولكنه يعني بالأحرى المزيد من الأرباح لصالح شركات الاحتكار.

وينوه التقرير إلى أن الولايات المتحدة لديها سلسلة من قوانين مكافحة الاحتكار التي منعت الشركات من السيطرة على الأسواق، وكثيرا ما حطمت أكبر عتاة الاحتكار. ولكن ذلك تلاشي الآن وأصبح في حقيقة الأمر عملية خفية لإعادة توزيع الأموال والنفوذ لتنتقل من غالبية الأمريكيين إلى المديرين التنفيذيين للشركات والمساهمين الأثرياء.

ويدلل التقرير على ذلك بأن شركات الأغذية الأربع الكبرى تسيطر على 82% من عبوات لحوم البقر، و85% من تصنيع فول الصويا، و53% من تصنيع لحوم الدجاج. ويقول التقرير إنه يمكن الحصول على أدوية رخيصة ولكن الشركات الكبرى تدفع لمنتجي الأدوية لتأخير إنتاج النسخ الرخيصة من العقاقير. وتعتبر اتفاقيات الدفع مقابل التأخير هذه غير قانونية في الاقتصادات المتقدمة الأخرى، ولكن هيئات مكافحة الاحتكار الأمريكية تغض الطرف عنها، مما يكلف المستهلكين المحليين نحو 3.5 مليار دولار سنويًا.

وينوه التقرير إلى أن الاندماجات بين حفنة من الشركات العملاقة تعني غياب التنافس فيما بينها، في مقابل تعاظم قدرتها على التحكم في الأسعار. كما أنها تحافظ في الوقت نفسه على معدلات أجور منخفضة للعمال الذين تتقلص فرصهم في الحصول على رواتب أعلى أو حتى في الانتقال إلى شركات منافسة بديلة. وتعتمد هذه الشركات الضخمة على نفوذها السياسي الواسع وهذا هو سر تماسكها وقوتها، فقد كان من المفترض أن توقف قوانين مكافحة الاحتكار ما يجري، ولكنها أضحت في الوقت الراهن ميتة حرفيًا.

ولفت تقرير المجلة الأمريكية إلى أن أول قانون لمكافحة الاحتكار صدر في عام 1890 والذي عرف باسم قانون شيرمان لتحريم الاحتكار، وعلى مدار السنوات اللاحقة أصبح لدى أمريكا قوانين نافذة لمكافحة الاحتكار جنبًا إلى جنب مع حظر الاندماجات الكبيرة.

ولكن ذلك انقلب رأسا على عقب في ثمانينيات القرن العشرين مع تبني أفكار القاضي الأمريكي روبرت بورك الذي زعم أن عمليات الدمج والحجم الكبير تؤدي إلى انخفاض الأسعار، وبالتالي يجب أن تكون قانونية. وكانت أفكاره متسقة مع مدرسة شيكاغو الاقتصادية المحافظة، ووجدت جمهورًا جاهزًا في البيت الأبيض إبان حكم الرئيس «رونالد ريجان». ومنذ ذلك الحين سادت الممارسات الاحتكارية حتى في عصر الرؤساء الديمقراطيين وشهد أكبر اقتصاد في العالم تناقصًا في التنافس حتى في الصناعات التقنية المتطورة.

وبحسب التقرير فخلال السنوات الـ20 الأخيرة أصبحت شركات التكنولوجيا هي الأكثر معاناة من الاحتكار حيث تتصدر شركتا جوجل وفيسبوك محركات البحث عن الأخبار للأمريكيين، بينما أصبحت أمازون المحطة الأولى لأكثر من نصف المستهلكين الأمريكيين الذين يسعون لشراء أي شيء.

وسجل الاقتصاد الأمريكي معدلًا متدنيًا لظهور الأعمال الجديدة منذ أواخر السبعينيات. وأسهمت براءات اختراع الشركات التكنولوجية العملاقة ومنصاتها القياسية، وأساطيلها من المحامين الجاهزين للتصدي لأي منافسين محتملين، وجيوش جماعات الضغط المؤيدة لها، في الحيلولة دون ظهور وافدين جدد.

ويخلص التقرير إلى أنه لا يمكن فصل السلطتين الاقتصادية والسياسية لأن الشركات المسيطرة تكتسب نفوذًا سياسيًا على كيفية تنظيم الأسواق وإدارتها وإنفاذ القانون فيها، وهو الأمر الذي يوسع من قوتها الاقتصادية. وهو أحد الأهداف الرئيسة لقوانين مكافحة الاحتكار التي يتعين إحياؤها فورًا ودونما تأخير.

ينوه التقرير إلى أن الولايات المتحدة لديها سلسلة من قوانين مكافحة الاحتكار التي منعت الشركات من السيطرة على الأسواق، وكثيرا ما حطمت أكبر عتاة الاحتكار. ولكن ذلك تلاشى الآن وأصبح في حقيقة الأمر عملية خفية لإعادة توزيع الأموال والنفوذ لتنتقل من غالبية الأمريكيين إلى المديرين التنفيذيين للشركات والمساهمين الأثرياء.
المزيد من المقالات
x