هل نعطي الآخرين حقوقهم «2»

هل نعطي الآخرين حقوقهم «2»

الاثنين ٠٤ / ٠٦ / ٢٠١٨
استكمالا لمقالة الأسبوع الماضي بعنوان: هل نعطي الأشياء حقوقها؟ نقارن بين وضع التعامل مع الأشياء والتعامل مع الناس، فالمبادئ التي تحكم ذلك السلوك واحدة، وتتمثل في مجموعة من المعايير، التي يطبقها المرء كاملة أو يُعنى بأغلبها، فيكون قد أعطى غيره من الناس حقوقهم، مثلما يريد هو أن يعطيه الآخرون حقه. أول تلك المعايير وربما هو أهمها: أن تكون لديه الحساسية للعلاقة بينه وبين أولئك الناس، فلا يتجاوزها تبسطا، ولا يتدنى عنها تعقيدا. فالزميل في المدرسة أو الجامعة أو في العمل الرسمي أو الظروف المؤقتة ليسوا على درجة الصاحب (أو الرفيق)، الذي تجمع المرء به علاقة خاصة غير علاقة المكان أو الظرف الزمني والصدفة، كما أن هذا الأخير يختلف عن الصديق، الذي تكون العلاقة به حميمة إلى درجة قوية (وهو ما يندر وجوده، لكنه على أي حال فئة تختلف عن الفئات الأخرى الأدنى منه في العلاقة). لكن مشكلتنا الثقافية، أننا نخلط بين هذه الفئات، فنفضفض أحيانا للزميل، ولا نضع حدا له أو لنا معه في العلاقة، وطبيعة الأسئلة الممكن طرحها، ونستهين أحيانا برغبات الصاحب وبعض حقوقه، مثلما نقلل من تميز الصديق في حياتنا، ولا نشركه في أمورنا إلا عندما نريد أو نحتاجه، وكأن حاجياته خارجة عن إطار علاقة الصداقة، وقد نفشي بعض أسراره، ولا نعطيه الأولوية فوق الأصحاب في أمور يفترض أنها تراتبية. فما الذي يحدث مع هذا الخلط بين الفئات؟ أولا تختلط على الناشئة هذه المفاهيم، فربما أطلق أحد الصغار مصطلح «صديق» على أي زميل من خلال تجاورهما في المقاعد، أو خروجهما في الفسحة معا، وتبادل الحوار العابر.

وفي عموم المجتمع، نجد التراخي بشأن حقوق من تجمعهم صداقة طويلة لسنوات، أو صحبة مميزة لفترة من الزمن، أو حتى الإعلاء من شأن زمالة عابرة، لا يراها الآخر ربما تستحق الذكر أو الامتنان لها. ومصداقا لتلك الحال، نجد في وسائل الإعلام – على سبيل المثال – خاصة المسموعة منها والمرئية ومؤخرا الالكترونية، استخداما لعبارات يختلط فيها الحابل بالنابل، فيوجه أحدهم إلى الآخر عبارة: «يا صديقى» أو حتى «يا حبيبي»، وهو ربما لم يره مرة واحدة في حياته. وقد يستعمل بعضهم – خاصة النساء – عبارة «يا عيوني» أو «يا قلبي» أو «فديتك» مع من لا يعرفن سوى أسمائهم الأولى. وفي المقابل نجد من يغمط صديقه حقه في تقدير مواقفه، أو يتجاهل حق صاحب أو زميل عندما تتاح له الفرصة إعلاميا أو في أحاديث خاصة، فلا يشيد بشيء لدى ذلك الصاحب أو الزميل، في حين يكون لديه الاستعداد للإشادة بما هو أدنى من ذلك لدى من لا يمت إليه بصلة (من الخارج أو من بيئة بعيدة عنه).


أما المعيار الثاني: فهو اتباع القيم الأخلاقية في التعامل مع الآخرين، سواء كانوا أجانب في بلدانهم أو غرباء في بلده، أو مواطنين في بلده أو في الخارج، أو من ذوي المعرفة بدرجاتها المختلفة، أو من ذوي القرابة والنسب. ولا أظن تلك القيم موحدة في البيئات المختلفة، لكن هناك ما يحتاج استشعاره في كل بيئة أو في ظرف يكون المرء فيه في حل أو ترحال. ومتى ما قام المرء بما يظنه مناسبا في أي من حالات التعامل، فإنه سيكون مرتاحا، بغض النظر عن مدى تقدير الآخر لما قام هو به. وكم أتمنى أن تتاح فرصة أكبر للتوسع في فلسفة أخلاق التعامل، لكن ضيق المساحة يجعلني أوجه سؤالا لمن هو غير واثق من علاقاته مع الآخرين: كم يوجد من الأشخاص من تعده صديقا مقربا لك؟
المزيد من المقالات
x