رمضان والفطنة

رمضان والفطنة

الاثنين ٢٨ / ٠٥ / ٢٠١٨
لعل من فوائد رمضان المتعددة تغيير العادات التي التصقت بنا طوال السنة، وهو يساعد أيضا على تغيير الرتابة التي يدور بها الإنسان ويشعر من خلالها أنه كالطاحونة تدور وتدور في نفس الزمان والمكان، فالأحداث تعيد نفسها كل يوم بشكل متكرر لا جديد فيها وذلك يخنق الإبداع والتغيير والتطوير. ومن نتائج تلك الدوامة المتكررة أن ينتابنا الشعور بالملل والسآمة وتلك من طبيعة البشر، وقد قال الشاعر زهير بن أبي سلمى في معلقته:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش.... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم

ولا يشترط أن نعيش ثمانين سنة!! حتى نبدأ بالشعور بالسأم أو الملل، فالإنسان يبقى شابا بالتجديد والتطوير مهما بلغ عمره. لكن المقصود أن رمضان جاء ليخرجنا من تلك الدائرة غير المنتهية من متطلبات الحياة اليومية والمهنية.

ويأتي رمضان في كل سنة ليجدد تلك النمطية في الحياة، ويخلق أجواء جديدة متغيرة ومحفزة، تساعد الإنسان على التأمل وإعادة الحسابات على مختلف المستويات سواء الشخصية أو المهنية أو الاجتماعية. عباس محمود العقاد - رحمه الله - قال: «رمضان شهر الإرادة... ومن ملك الإرادة فزمام الخُلق جميعا في يديه». وأصحاب البرمجة اللغوية العصبية (NLP) يزعمون أننا تحتاج إلى 21 يوما لتغيير بعض من عاداتنا ولنخلق عادة جديدة تحل مكانها. ولا أدري عن صحة ذلك علميا ونفسيا، وهل هذا ينطبق على كل الأنماط والشخصيات البشرية؟، ولكنه متداول ومذكور في عدة كتب، وبعض المتخصصين في هذا المجال يؤكدون ذلك. وسواء نتفق أو نتخلف معهم في عدد الأيام أو حتى الأسابيع، فنحن نملك أكثر من ذلك، فلدينا شهر كامل للتغيير.

يضاف إلى ما سبق، أن الأجواء الرمضانية مفعمة بالروحانية والصفاء، فهي - بلا ريب - تشجع على التغيير من الناحية المعنوية والنفسية. بل حتى من الناحية البدنية، فهناك فرصة للخروج من دوامة ثلاث وجبات وما بينها، والمفروض أننا نأكل لنعيش لا نعيش لنأكل! ولعلنا نحتاج إلى ضبط النفس أمام المغريات من الطعام؛ للبعد عن التخمة والشراهة في الأكل، فهي داء بغيض ومشين خصوصا حين نرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي أحوال من يئنون تحت وطأة الجوع وألم الفقر في بعض الدول التي هي ليست منا ببعيد. والأمر الآخر أنه قد قيل: البطنة تذهب الفطنة (والعكس صحيح كما قال أحد المغردين)، فكم من مرة ضربنا بالأخماس، فضاع التركيز وكثر النعاس وقل الإنجاز. الحقيقة، أنه كلما مرت علينا السنون؛ زادت الحياة المادية ضغطا وإلحاحا، وأصبحت تتخطفنا بمغرياتها وبشكل متسارع. رمضان يدعونا إلى التأمل أكثر والهدوء والسكينة. وهو يحاول بشدة أن يجعلنا نشعر بالروحانية والراحة النفسية والمعنوية، وأن نرتقي فوق تعب الأبدان لنحلق في سماء القرآن والإيمان، فهل استطاع أن ينتشلنا وينقلنا من وحل ووعثاء الأرض إلى راحة وصفاء السماء؟!. يقول علي عزت بيجوفيتش (أول رئيس جمهوري للبوسنة والهرسك) في كتابه (السلام بين الشرق والغرب): «إن الصيام الإسلامي وحدة تجمع بين التنسك والسعادة، بل حتى المتعة في حالات معينة».

وببساطة، حتى نتذوق طعم رمضان لا بد من العيش في وسطه لا في أطرافه!