أخلاق الشهر الكريم

أخلاق الشهر الكريم

الاحد ٢٠ / ٠٥ / ٢٠١٨
يتسم هذا الشهر الكريم، بالقرب أكثر من الله، فهو شهر الطاعات والعبادات وكثرة الصدقات، وبذل الخير من أجل إسعاد الآخرين، ومن علامات القبول، استمرار المسلم على هذا المنوال من السلوك الإنساني الذي لا يرتبط بزمن معين أو مكان محدد، بل هو سلوك ملزم للمسلم الصادق في تعامله مع تعاليم الدين الحنيف، وأخلاق رمضان هي الأخلاق التي على المسلم اتباعها في بقية شهور العام وليس في شهر رمضان المبارك فقط، حيث تزدحم المساجد بالمصلين، وتكثر الصدقات على المحتاجين، ويزداد التنافس على عمل الخير بين الصائمين، وتتضاعف أعداد المعتمرين والزائرين، وهذه من بركات الشهر الكريم على عباد الله الصالحين، فلماذا لا تستمر هذه الأخلاق مع المسلم على مدار الشهور والسنين؟.

وإذا كان الله قد كرم هذا الشهر على بقية الشهور، ليبرز كوامن الخير في الإنسان، فإن الله أيضا قد كرم هذا الإنسان بالعقل، ليفكر في التمسك بهذه الأخلاق بصفة دائمة، ما دامت تقربه إلى الله أكثر، وعمل الخير إلى جانب كونه عملا دينيا، فهو أيضا عمل إنساني، يسعى الأسوياء من البشر للحرص عليه كسلوك عام ودائم، ما دام فيه الخير العميم للإنسان وغيره، ففائدة عمل الخير لا تقتصر على صاحبه من خلال الأجر والثواب، ولكنها أيضا تمتد إلى الآخر المنتفع بهذا الخير، لتكتمل حلقة الرضا بين الطرفين، والرضا هو غاية ما يمكن أن يصل إليه الإنسان، إذا أراد راحة الضمير، ويقظة الروح في عناقها مع الحياة، وليس هناك ما هو أفضل من الرضا للانسجام مع الذات، وصولا إلى النفس المطمئنة، في زمن اتسم بالفتن والقلاقل والاضطرابات النفسية، مثل القلق والتوتر، والانهزام أمام أقل التحديات، والعجز عن حل أضعف المشكلات.


وكما هو معروف لدى الجميع فإن الصيام ليس فقط الامتناع عن الأكل والشرب والشهوات الأخرى، بل هو أيضا الامتناع عن كل ما يسيئ من قول أو عمل، والإساءة هنا لا تقتصر على الآخرين، بل قد تشمل الذات، فمن يسيئ إنما يسيئ لنفسه، قبل أن يسيئ لغيره، وقد تتحول الإساءة للغير إلى خدمة يقدمها المسيئ إلى من يقصد بالإساءة، وأولها أن تذهب حسنات الأول إلى الثاني دون جهد من الثاني للحصول عليها، وثانيها أن تتنامى جرثومة الإساءة في نفس المسيئ بحكم التكرار، حتى تصبح سببا في نفور الناس منه، وابتعادهم عنه، وفرارهم منه فرار السليم من الأجرب.

ها هو الشهر الكريم يفتح أبواب الخير أمام الجميع، ويقضي على نوازع الشر بينهم، فلماذا لا تستمر هذه الحالة لتصبح صفة عامة، ولماذا لا يصبح هذا الشهر الكريم نقطة انطلاق - لا رجعة فيها - في فضاء عمل الخير، واكتشاف عوالم أخرى للبذل والعطاء في ظل ما يجتاح بلاد المسلمين من حروب وأزمات سياسية واقتصادية وأخلاقية حادة، ومن لا يملك القدرة على العطاء المادي، فإنه يملك - إذا أراد - العطاء الأخلاقي الذي لا حدود له، ويكفيه أن يكون قدوة في السلوك الإنساني المتميز بأخلاق الإسلام النبيلة وتعاليمه الكريمة، ومنها يستمد الإنسان إنسانيته إذا عرف الدين الحنيف على حقيقته، وهو دين الوسطية والانفتاح على العالم، بعيدا عن التطرف والغلو، وبعيدا عن الانكفاء على الذات، والعزلة عن العالم.

khlilf@hotmail.com
المزيد من المقالات