رمضان والقرآن معا

رمضان والقرآن معا

الاحد ٢٠ / ٠٥ / ٢٠١٨
رمضان والقرآن صديقان محببان إلى القلوب، لا ينفكان عن بعضهما، وها نحن نجد المساجد تغص بالمصلين في شهر رمضان الكريم، وهم يقرؤون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، ففي كل الأوقات نسمع صوت القرآن يصدح إما من الأفواه أو المنابر لتعطر الأجواء وتطمئن النفوس. فصوت القرآن يعلو ولا يعلى عليه في هذا الشهر الكريم وفي كل الشهور والدهور.

ومن الملاحظ أيضا أن هذا الشهر ارتبط بنزول عدة كتب سماوية أخرى مما يدل على أهمية وفضل شهر رمضان المبارك، فقد جاء في الحديث الشريف: «أُنزلت صحفُ إبراهيم أول ليلةٍ من شهرِ رمضان، وأُنزلتِ التوراةُ لستٍ مضت من رمضان، وأُنزل الإنجيلُ بثلاثِ عشرة مضت من رمضان، وأُنزِل الزبورُ لثمانِ عشرة خلت من رمضان، وأُنزل القرآنُ لأربعٍ وعشرين خلت من رمضان».

وإنه من المدهش تلك الروحانية العالية حين يجتمع رمضان مع القرآن، ولكن نحن أيضا مقصرون في حق هذا الكتاب العزيز المبين، لأننا للأسف لا نقرؤوه إلا في رمضان! وحتى في رمضان نتحمس بشدة في البدايات ويفتر العزم عند البعض في النهايات!! مع أن لطائف القرآن عجيبة وعبره منيرة، وأسراره عميقة، ومواعظه كثيرة. وقد قال عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: «لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم». وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله، فلينظر فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله».

وفي خضم تلك الروحانية لشهر رمضان، جاءتني تلك الخاطرة بعد الصلاة، حين جلست لأقرأ قليلا من القرآن لعله يلين جفاء القلوب وينير ظلام العقول، حيث استوقفتني آية بل هي جزء من آية كانت كافية أن تجعل البدن يهتز، والقلب يرتعش، والعقل يتساءل. والجملة قصيرة لكنها تملؤك بدفء المشاعر وتحرك عاطفتك وتخاطب عقلك كذلك ألا وهي قوله سبحانه وتعالى «ويُحذِرُكُمُ اللهُ نفسهُ واللهُ رءُوف بِالعِبادِ»، حيث تقف عندها مذهولا بين الرجاء والخوف، والثواب والعقاب، وهناك أيضا العديد من الآيات التي تضعك في ذات الموقف المهيب والرهيب. وقد قيل: إن كل ما نقوم به يتأرجح بين الألم والمتعة. ولكن الذي شدني هو كمية الدفء والرحمة في قوله سبحانه وتعالى: «واللهُ رءُوف بِالعِبادِ». فدفعني ذلك للبحث عن تكرار كلمات في القرآن الكريم مثل: محبة، رحمة، رؤوف، وليس المقصد من هذا المقال إحصاء الكلمات بقدر ما هو الإحساس بحجم وكمية دفء المشاعر لهذا القرآن العظيم. فوجدت مثلا كلمة حب ومشتاقتها قد وردت 76 مرة، ولفظ الرحمة ومشتقاتها 268 مرة، ووردت كلمة (رؤوف) 11 مرة. وهناك كمية هائلة من النور والمشاعر تفيض حين نفتح قلوبنا وكأن الخطاب القرآني موجه لنا. ولذلك كان الإمام جعفر الصادق - رحمه الله - حين يتحدث عن القرآن وآياته، فإنه يردد: فإني سمعت الله - عز وجل - يقول، فكأن الخطاب موجه له لا لغيره، وتلك تخلق صورة حميمة بين القارئ والقرآن الذي هو كلام الله سبحانه وتعالى.

ما قصدته من هذه الخاطرة، هو كم نفرنا من القلوب والعقول عن ديننا بسبب طريقتنا الجافة وربما أحيانا المتطرفة في الخطاب والتعامل مع الآخرين، وفي المقابل كم ألان القرآن القلوب القاسية بجملة واحدة فقط، وسحر العقول بخطابه المنطقي الآسِر، وذلك من أسراره العميقة المتجددة، وقد جاء في الأثر: «أنه لا يخلق (لا يبلى) من كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه».

abdullaghannam@