استثمر هذه الفرصة الذهبية

استثمر هذه الفرصة الذهبية

السبت ١٢ / ٠٥ / ٢٠١٨
تؤكد المئات من البحوث النفسية الحديثة على أهمية تمكين الشخصية من اكتساب ممارسة تأجيل الإشباع، بأن يحاول الأفراد تأجيل إشباعات فورية قليلة القيمة؛ لأجل تحقيـق أهداف ذات قيمة أعلى في المدى البعيد، وبدأ الالتفات لفهم العلاقة بين تأجيل الإشباع وتأثيره على السلوك الفعّال مدى الحياة من خلال سلسلة الدراسات النفسية التجريبية التي أجراها العالم «والتر ميشيل» في الستينيات، وتُعرف بتجارب المارشميلو marshmallow experiences على أطفال الحضانة في جامعة ستانفورد، وكانت عيّنة البحث من أبناء هيئة التدريس وبعض طلاب الدراسات العليا. وكانت التجربة بأن تُعرض على الطفل قطعة من حلوى المارشميلو، ويُخيّر بين الحصول الفوري على قطعة واحدة، او الانتظار لفترة أطول تقارب العشرين دقيقة والحصول على قطعتين، وأجريت بعدها دراسة طويلة لأربع عشرة سنة لمتابعة أحوال نفس هؤلاء الأطفال، وأشارت بعدها النتائج إلى الاختلاف الواضح بين الأطفال الذين تحـكّمـوا في الموقف والذين اندفعوا للحلوى، في النواحي الاجتماعية والانفعالية والأكاديمية والشخصية، فالأطفال الذين قاوموا الإغراء كانت شخصياتهم في سن المراهقة أكثر كفاءة من الناحية الاجتماعية وأكثر فاعلية من الناحية الشخصية، وأكثر كفاءة أكاديميًّا وقـدرة على مواجهة الإحباط ومؤكدين لذواتهم بدرجة أكبر، ويمكن الاعتماد عليهم، وسيكونون قادرين على تأجيل الإشباع في سبيل تحقيق أهدافهم، أما الذين لم يقاوموا الإغراء فكانوا في مراهقتهم أكثر تورطًا في المشاكل السيكولوجية، وأكثر خجلًا في المواقف الاجتماعية، وأقل ثقة في ذواتهم، ويمتازون بسرعة ردة الفعل بمزاج حاد.

وأشارت نتائج الدراسـات إلى أن الأطفال استطاعوا التحكم عقليًا في موقف تأجيل الإشباع؛ مما ساعدهم على تحقيق الهدف، فتفكير الأطفال في الجانب الحسي من المكافأة (نظام ساخن - hot) بالتركيز على مذاق الحلوى، وشهية منظرها أدى لصعوبة انتظارهم من بضع ثوان لخمس دقائق فقط، والذين حاولوا الانشغال عنها، وتشتيت تركيزهم (نظام هادئ - cool) تمكنوا من إطالة زمن الانتظار، وهذا يبيّن أن اختلاف تمثيل الطفل للمثير أثناء فترة الانتظار مكّنه من مقاومة إغراء المثير في سبيل الحصول على الأفضل.

قد يمنحنا التأمل في نتائج الدراسة وقوة انعكاسها على شخصيات الأطفال، جرعة حماس لاستثمار الفرصة الذهبية لشهر رمضان الجميل، وتدريب أطفالنا بذكاء على مهارة تأجيل الإشباع، وتمكينهم من الانضباط الذاتي لدوافعهم، لإكسابهم مهارات حياتية قوية التأثير في فعالية مستقبلهم.