وأختم بالسؤال الثالث والأخير، الذي يتناول السبب الرئيس الذي من أجله أصبحت «الأربطة» أثرًا بعد عين، و«محل ذكرى عطرة» في فترة من فترات تاريخ بلدة «هجر».
في تصوري، أن الجواب على هذا السؤال سهل وذلك في ظل قراءة متأنية للأحداث التي مَرَّتْ على بلدة «هجر» قبل إنشاء الأربطة، وبعد إنشائها، ومن ثم بعد تواريها عن الأنظار.
وفي ضوء ما بذلته من جهد باحثًا عن السبب الرئيس لِتواري «الأربطة» عن الأنظار وجدتُ -من منظار تجريدي بحت- أن هناك أكثر من سبب ربما يُسْتَنْتَجُ من القِراءة التاريخية المتأنية للأحدات التي مرَّت على بلدة «هجر»، ويمكن حصرها في نظريات ثلاث: «نظرية الاحتكار»، و«نظرية التوريث»، و«نظرية قدسية الوصية».
«النظرية الأولى» ومؤداها أن هذه «الأربطة» قد ظلَّت بعد إنشائها في رعاية أسر معينة محدودة العدد، وأن هذه الأسر قد احتكرت «النظارة» عليها بنفسها ولنفسها، وأنه بسبب هذا «الاحتكار» ظَلَّ ضعفٌ يدب تدريجيًا في مفاصل حياة هذه الأربطة فأودى الضعف بها فتوارت عن الأنظار!
وعن «النظرية الثانية» ومؤداها تَدَاوَلَ «النظارة» على «الرباط» «حفيد عن أب»، و«أب عن جد» وقد يكون في هؤلاء ناظر قوي نشط، وقد يكون فيهم ناظر متقاعس غير نشط. ومن شأن هذا الوضع تواري «الأربطة» عن الأنظار، ناهيك عن سبب آخر مهم وهو عدم رغبة هذه الأسرة أو تلك حينما يدب الضعف في نظارتها في «إنابة» من هو أكفأ منها من خارج الأسرة «وكالة» ليقوم برعاية «رباطها». لعل في هذه «النظرية» وجاهة إلى حدٍ مَا عند غيري، ولكن ليس عندي، وذلك لأن هذه «الأربطة» قد اتخذت أسماءَها من أسماء الأسر التي أنشأتها أو تلك التي تولَّت النظارة عليها مما وَلَّدَ ما يمكن تسميته «بنظرية التوريث» من «الأب» إلى «الابن»، ثم إلى «الحفيد» وهكذا مما ترتب عليه اندثار هذه «الأربطة» باختفائها فجأة رغم ازدهارها.
«النظرية الثالثة» وهي «نظرية قدسية الوصية»، وأعني بذلك صِيَغ «وصايا الأوقاف» على «الأربطة»، وهي صيغٌ تنطبق عليها آية (181) من سورة البقرة. قال تعالى: (فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم). أقول: لعل من شأن قدسية «وصية الوقف»، وعدم تبديل نصوصها تدهور أوضاع «الأربطة»، ومن ثم اختفاؤها.
وأرى أن النظريات الثلاث المطروحة سلفًا هي مجرد استنتاجات محضة استقيتُها من قراءاتي لمسارات وقائع ما تم في شأن «الأربطة» في بلدة «هجر»، وهي نظريات غير ذات شأن عندي، بل هي نظرياتٌ مبنيةٌ على أسس غير سليمة، ولا يمكن الركون إليها ـ تاريخيًا ـ في شأن ما تعرَّضت له «الأربطة» بحيث أصبحت «أثرًا بعد عين»، و«محل ذكرى عطرة» في «فترة» من فترات تاريخ البلدة. ولعل هناك من يخالفني الرأي فيما قررته سلفًا، ولستُ ممن يتمسك بالعصمة.
وأرى أن انتشار التعليم الحديث في بلدة «هجر» (منذ عام 1360هـ وما تلاه من أعوام بانتشار مدارسه الابتدائية والثانوية، ومنذ عام 1374هــ وما تلاه من أعوام بافتتاح المعهد العلمي: ابتدائي وثانوني) هو الذي وضع نهايةً لدور «الأربطة» على الأقل في بلدة «هجر»، ويعزِّز ما أراه هو أن «هجر» في القرون الأربعة الماضية كانت مفرغةً من كل توجه معرفي علمي. ناهيك، وكما سبق القول، أن أحـوال الأغلبية الساحقة من أهاليها من الناحية الاجتماعية والمعيشية أحوالٌ «كارثية» أو «مأساوية» من الإخلال بالأمن. لقد دفعت هذه الأحوال الأهالي إلى الانعزال والتشرذم، ناهيك عن البحث عن لقمة العيش التي كانت ديدنهم الأساس وفي ظل هذه الأحوال كانت «الأربطة»، حقيقةً، بمثابة رموز مُضيئة أنقذت القلة من أهالي «هجر».
أُنشئت «الأربطة»، وُمُوِّلَتْ من ثمار الأوقاف لغرض هام، وجوهري وهو تهيئة رجال ذوي كفاءة دينية في داخل البلدة ومن خارجها لخدمة «العقيدة الإسلامية». وبالفعل أصبحت «الأربطة» «منارات علم»، أو كما قال أحد حفدة هذه «الأربطة»: «إن الأحساءـ على مدى القرون الأربعة الماضيةـ كانت تفخر وتزهر بمدارسها العلمية، التي أخرجت العلماء العاملين، والدعاة البارزين، والقضاة العادلين، والوعاظ الزاهدين، ومؤلفي الكتب النافعة المفيدة في شتى العلوم».
ولكن بجانب ما «للأربطة» من إيجابيات ذات شأن ووزن وتقدير داخل بلدة «هجر» وبالذات في البلدان خارجها، وهي إيجابياتٌ من مفاخر البلدة. ولكن أقول بعد تأمل موضوعي: إن مما يُؤْخَذُ على خريجي هذه «الأربطة» سلبيتين: السلبية الأولى: أن الكثيرَ منهم كانوا انكفائيين على أنفسهم، ويَدورون في حلقات مقفلة فيما بينهم ببلدة «هجر» لدرجة أنهم كانوا قِلة في محيط سكان البلدة، وبما معناه أنه لم يكن لهم أي تأثير -من قريب أو بعيد- على السواد الأعظم من السكان الذين ظلوا بمنأى عنهم فكانوا في حالة أمية متناهية لا يعرفون حتى مبادئ القراءة والكتابة، ولقد سَبَقَ أن تناولتُ محتوى هذه السلبية ومبرراتها، والثانية: أن البعض من روَّاد «الأربطة» فضَّلُوا- تاريخيًا- أن يكونوا صامدين ضد التيارات الداعية للانفتاح على علوم الحياة التي تصوروا، وبحسن نية، أن الأخذ بها، أو الانفتاح عليها فيه مساسٌ قويٌ بالمعتقد الديني المحض.
وفي ذكريات مشوار حياتي أمثلة عديدة سوف تَتْرى عن سلبيات عدم الانفتاح على تلك التيارات قبل ولادتي وأثناءها وبعدها حتى عام 1360هـــ، وهـو العام الذي بدأ فيه انتشار التعليم الحديـث بافتتاح مدارس ابتدائية وثانوية له، والذي بمقتضاه وبمقتضى افتتاح «المعهد العلمي» تَمَّ وضع نهايـــة لدور «الأربطة»، ولدرجة أن البعض من «حفدة» رعاة مدارس «الوعظ» و«الأربطة» قد التحقوا بها كطلاب منتظمين. وهكذا صارت «الأربطة» بعد تواريها عن الأنظار بالذات محل «ذكرى عطرة»، ومحل «إشادة تاريخية».
