«الجامع الكبير» أولى لبنات مشاريع مساجد وجوامع الخبر الحكومية

«الجامع الكبير» أولى لبنات مشاريع مساجد وجوامع الخبر الحكومية

البداية كانت في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين وتحديدا في عام 1372 للهجرة الموافق لسنة 1951 ميلادية حينما تم تشكيل هيئة المشاريع العامة برئاسة سمو أمير المنطقة الشرقية وعضوية رئيس بلدية الدمام ورئيس بلدية الخبر وأمين جمارك المنطقة الشرقية ورئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومدير سلاح الحدود.

هذه الهيئة أخذت على عاتقها القيام بمشاريع من تلك التي كانت مدينتا الدمام والخبر بحاجة ماسة إليها في سنوات نموها الأولى. ومن بين الأعمال التي قامت بها آنذاك بناء أول مدرسة ابتدائية حكومية شاملة (مدرسة الخبر الأولى التي تغير اسمها لاحقا إلى مدرسة معاذ بن جبل)، ثم هدم «مسجد السوق»، الذي كان يعرف باسم مسجد عبدالله بن عيسى آل خليفة، وتم توسعته وإعادة بنائه، فكان أن ظهر في عام 1953 «مسجد الجامع الكبير» وكان يطل من جهة الشرق على شارع الأمير طلال، ومن جهة الجنوب على شارع التقاطع الثالث في مواجهة منزل المرحوم راشد الدوسري الذي كان يعمل سائقا للقطار بسكة حديد الحكومة العربية السعودية.


والحقيقة أنه حتى ذلك التاريخ لم يكن في الخبر مسجد كبير يتسع لإقامة صلاة الجمعة. حيث كان هناك مسجد يتيم تم بناؤه في نهايات الأربعينيات من قبل المقاول المعروف آنذاك محمد عبدالمطلوب، وسمي باسمه. والمقصود بهذا المسجد هو ذلك المطل على شمال شارع الملك سعود وشارع التقاطع السادس، خلف «فوالة الحراج»، وقريبا من سوق اللحوم والأسماك، وكان لا يبعد في الماضي كثيرا عن أول ورشتي نجارة في الخبر (ورشة البحريني «عبدالنبي الرأسرماني» وورشة المرحوم عبدالله جعفر المرباطي)، كما كان على بعد أمتار قليلة من معمل المياه لصاحبه البحريني هاشم الأنصاري، علما بأن المسجد المذكور تعرض لعدة عمليات ترميم وتجديد أفقدته شكله الأصلي الجميل والبسيط. وقد توالى على الخطابة والإمامة في مسجد ابن مطلوب أكثر من شيخ، لعل أشهرهم على الإطلاق هو الشيخ الدكتور عبدالهادي الكناكري.

ولهذا قيل إن تجار شارع الملك سعود، الذي كان وقتذاك هو الحي التجاري الرئيسي، تنبهوا لحاجة مدينتهم إلى مسجد كبير تقام فيه الفروض الخمسة، علاوة على صلاة الجمعة، فضغطوا باتجاه المشروع.

وتميز الجامع الكبير عن غيره بتصميمه الهندسي الرائع الذي استوحي من تصاميم مساجد كبيرة خارج المملكة، حيث كانت به أقواس كثيرة وساحة أمامية واسعة وأروقة تفصل صفوف المصلين وأرضيات مبلطة بأجود أنواع البلاط. كما كانت تجاوره ساحة خارجية من جهة الغرب تنفذ فيها الحدود الشرعية بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع بحق اللصوص، وممارسي الرذيلة، ومدمني المسكرات.

امتاز المسجد أيضا بالمواد التي بنيت به. فعلى حين كانت المساجد الأخرى القليلة مبنية من فروش البحر والجص، كان بناء هذا المسجد من الاسمنت المسلح.

ظل مسجد الجامع الكبير لسنوات طويلة صامدا وقبلة للمصلين من كل أنحاء الخبر، وحينما شاخ سارعت الجهات الحكومية المعنية بترميمه مرتين. وقد لوحظ في ترميمه الأول الحفاظ على هيئته البديعة، غير أن الترميم الثاني في أواسط السبعينيات شوه صورته فبدا أصغر كثيرا من حجمه السابق، بل ان الكثير من المباني والدكاكين ظهرت حوله بطريقة عشوائية، الأمر الذي أثر سلبا على مظهره الخارجي.

في حقبة الخمسينيات أيضا ظهر في الخبر مسجدان صغيران:

الأول عرف باسم «مسجد بلغنيم» نسبة إلى من بناه. وهو مسجد لا يزال قائما إلى اليوم ويطل من ناحية الشرق على شارع الأمير منصور مقابل المنزل القديم للحاج محمود خليل فران صاحب متجر الصبر الذي كان يجاور مصنع ممدوح كركر لصناعة الأثاث والأبواب والنوافذ الحديدية، ويطل من ناحية الجنوب على شارع التقاطع الثاني مقابل الزاوية الشمالية الغربية لمبنى مستشفى السلامة. هذا المسجد تم ترميمه وتوسعته وتجديده أكثر من مرة، كما تم تحويله إلى جامع تقام فيه صلاة الجمعة منذ السبعينيات.

ولمسجد بلغنيم ذكرى محفورة في وجدان الكثيرين من شباب وسط الخبر كونهم تعلموا فيه خلال صغرهم قراءة القرآن الكريم على يد إمام ومؤذن المسجد، وكان عمانيا شبه كفيف يدعى الشيخ سعيد، ويتقاضى عن تعليم كل طفل مبلغ خمسة ريالات شهريا. وأتذكر أني ختمت جزء عمّ على يديه وأنا في سن الرابعة، كما أتذكر خيزرانته التي كان يهوي بها على رؤوسنا وأجسادنا -كيفما اتفق- لأقل هفوة أو خطأ في القراءة، وأحيانا لتأخرنا عن حضور الدرس في الموعد المحدد.

انتهت دروس القرآن في مسجد بلغنيم بعودة الشيخ سعيد إلى بلده في مطلع الستينيات، فتولى إمامة المصلين تطوعا وحبا في الأجر والثواب المغفور له الرجل الوقور الشيخ إبراهيم المانع -رحمه الله- الذي كان منزله آنذاك قريبا من المسجد، علما بأن المسجد ظل مدة طويلة قبلة كبار تجار وأعيان الخبر لأداء الصلوات الخمس. فمن الأعيان كان يصلي فيه رئيس بلدية الخبر الشيخ عبدالرحمن عبدالعزيز الشعوان، وعضو المجلس البلدي مدير بنك الرياض الأستاذ محمد الخزيم، والأستاذ عبدالله عبدالرحمن أبونهية مدير مدرسة الخبر الثانية، والمرحوم إسماعيل بن علي قبوري مدير عام وزارة البرق والبريد والهاتف بالمنطقة الشرقية، والمرحوم محمد ناصر السويدان مدير بريد الخبر. ومن التجار كان يحرص على الصلاة في رحابه الحاج أحمد محمد زين العابدين، والحاج سيد كامل الهاشمي، والحاج محمد الشكري، وأخوه الحاج عبدالكريم الشكري، ووالدي الحاج أحمد عبدالرحمن المدني، وصديقه الحاج عبدالله عبدالعزيز الحسن، والوجيهان محمد وعبدالعزيز المزروع، والتاجر محمد نور المشيري، والحاج محمود خليل فران، والتاجر سيد أحمد الخلوري، والتاجران أحمد وعيسى الجلاهمة، والتاجر عبود سعيد بلحداد، والتاجر الحاج إبراهيم عبدالكريم الخان، وتاجر اللؤلؤ البحريني خليفة بن مطر، والأخوان عبدالله ومحمد زينل صاحبا متجر الرياض، ورجل الأعمال عجب صحبة خان، وخراز الخبر الوحيد فضل شاه، وغيرهم.

المسجد الثاني ظهر في الخمسينيات أيضا وهو ما عرف بمسجد ضاحي نسبة إلى مؤذنه المرحوم ضاحي الدوسري والد كل من عبدالله وخميس وعبدالرزاق ضاحي (أطلقوا عليه اليوم اسم مسجد عبدالله بن عمر). وكان مسجدا صغيرا يطل من جهة على شارع الأمير منصور ومن جهة أخرى على شارع التقاطع الخامس قريبا من منازل الطحلاوي وبانواس، علما بأن الذي كان يؤم المصلين فيه لسنوات هو المرحوم الشيخ عبدالغفور والد التربوي المعروف الأستاذ محمد عبدالغفور الشيخ أول مدير لمدرسة عمر المختار بالثقبة، وينوب عنه في حالات الغياب الرجل الصالح الزاهد عبدالرحمن الملا والد صديقنا الكابتن طيار علي عبدالرحمن الملا، علما بأن آخر ترميم لهذا المسجد كان على نفقة المحسن أحمد بغلف.

بعد ذلك وتحديدا في أواخر الستينيات كانت الخبر على موعد مع ظهور أبهى وأجمل مساجدها بمواصفات ذلك الزمن طبعا. والإشارة هنا إلى المسجد الذي بناه وأثثه الوجيه المرحوم سالم محمد السويكت في قلب شارع الأمير بندر الذي أصبح يعرف شعبيا -بسبب هذا المسجد- بشارع السويكت. ورغم صغر مساحته تحول مسجد السويكت منذ السبعينيات إلى جامع تـُصلى فيه الفروض الخمسة وصلاة الجمعة، ويستقطب المصلين من جميع أنحاء الخبر. وكان أحد أسباب ذلك أنه اختير لإمامة صلاة الجمعة فيه الشيخ الصديقي الذي تميز بفصاحته وبلاغته اللغوية فضلا عن تناوله خلال خطبة الجمعة مواضيع عصرية ارتجالا، أي على العكس مما كان يقوم به أئمة الجوامع الأخرى.









المزيد من المقالات