مقتطفات من ذكرياتي «9»

مقتطفات من ذكرياتي «9»

الجمعة ٢٧ / ٠٤ / ٢٠١٨


خصوص ذكريات مشوار حياتي يهمني التنويه، بصفة خاصة، عن حياة معلمي وشيخي «عبدالله بن عبدالرحمن الملا» تغمده الله بواسع رحمته وذلك «كإضافة» إلى المبحث الخاص بمكتبة التعاون الثقافي (راجع كتابي: كانت أشبه بالجامعة، ص 329 ـ 344) الذي تناولتُ فيه عمق «استراتيجية» مُعَلِّمِي في نشر ثقافة المعرفة طيلة حياته ببلدة «هجر».


وكما ورد في كتاب: «مسيرة ثقافية في حياة رجل» لمؤلفه «برمو»، (وهو الكتاب الذي أسهمت مع «برمو» فيه عن «حياة شيخي» كما ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب) وُلِدَ «عبدالله» في البحرين في قرية «جو» في عام 1327هـ، وقد نشأ بعد وفاة والدته في كنف جده «محمد» وخالته إلى أن بلغ الثامنة عشرة من عمره، فرأى والده أن يعود ابنه إلى الوطن، وينضم إلى أسرته وأقاربه في بلدة «هجر»، وبالفعل انتقل الابن إلى مسقط رأسه في عام 1345هـ.

اتصف «عبدالله» بحبه للقراءة والكتاب منذ نعومة أظفاره، فمن شدة تعلقه بالقراءة كان يَقرأ على ضوء القمر، ولحبه للدراسة والقراءة والعلم اتَّخذ لنفسه غرفةً خاصةً يعتكف بها للقراءة والمذاكرة، فَوَجَدَ ضالته في «رباط» أبناء عمومته حيث اتخذ غرفة فيه تقع في الدور العلوي. وهي غرفةٌ كان يطلق عليها غرفة «سلطان العلماء»، ويعود تسميتها بهذا الاسم «لِمُفْتِي فارس» الذي كان يُسَمَّى «سلطان العلماء» والذي قد سكنَها في بداية تأسيس «الرباط»، فاشتهرت الغرفة باسمه. لقد صارت هذه الغرفة المأوى المريح للشيخ «عبدالله» يؤوِي لها متى ما أراد. وكان «الرباط» عند دخول «عبدالله» يعج بطلاب العلم الذين جاؤوا من كل حدب وصوب، فصاحبهم لحضور دروس وعاظ المساجد المختلفة في أحياء بلدة «هجر»، وأغلب مَنْ صاحب «معلمي» ممن كانت لهم شهرة فيما بعد ببلدانهم كل من: الشيخ «عبدالله بن إبراهيم الأنصاري» مدير الشؤون الدينية بدولة قطر، والشيخ «يوسف الصديقي» القاضي بدولة البحرين. ومن شيوخ «عبدالله» الذين ترَدَّدَ على دروسهم في «هجر» الشيخ «عبدالعزيز بن عمر بن عكاس»، فكان يحضر دروسه في منزله الكائن في حي «الكوت»، وقرأ عليه بعض كتب «الفقه الحنفي»، وكان للعكاس أثر كبير عليه، وقرأ فنون اللغة العربية والفرائض على يد الشيخ «عبدالعزيز بن صالح العلجي» المالكي المذهب في مسجده بحي الرفعة، واستفاد كذلك من الشيخ «عبدالعزيز العبيد الله» الذي كان مُقيمًا معه في «الرباط»، وكان يذاكر له دروسه، ويُسَمِّعُ له القرآن الكريم، وما يحفظه من الشعر والأدب. وأثناء إقامة «عبدالله» في الرباط مَرَّ على «الرباط» عابر سبيل هندي في طريقه إلى الحج وهو من «علماء الهند»، ويُدعى الشيخ «محمد حسين الدهلوي»، فتعرَّف عليه «معلمي»، وصار يتردَّد عليه، ويناقشه في بعض الأمور، ولا سيما في «علم المنطق» فرأى الشيخ «محمد الدهلوي» فيه براعة وذكاء وحبا وتعطشا لدراسة «علم المنطق» فاقترح عليه أن يذهب للهند للدراسة في إحدى جامعاتها، وَخَصَّ جامعة «دار العلوم» بالذكر فنفَّذ «معلمي» الإقتراح، وسافر إلى «الهند» للالتحاق بالجامعة المشار إليها. وكان «مُعلمي» يفكر أن يسافر إلى الحجاز، وهي عادة طلاب العلم بعد أن يأخذوا قسطًا من العلوم الشرعية على يد علماء بلدة «هجر» أن يسافروا إلى «الحجاز» لكي يتَتَلْمذوا على يد «علماء الحرمين الشريفين» ذلك أن العلاقة بين علماء «الحجاز» وبلدة «هجر» قديمة، إلاَّ أن «معلمي» بعد أن التقى بالشيخ «الدهلوي» بدأ يفكر في السفر إلى «الهند»، وهي سابقةٌ غير معهودة للطلبة في بلدة «هجر» ذلك أن من المتعارف عليه السفر «للهند» إما للتجارة أو للعمل. وبالفعل ذهب «معلمي» إلى الهند عام 1353هـ بعد رحلة شاقة حيث التحق بالجامعة، وَدَرَسَ فيها العلوم الشرعية واللغة العربية، وحاز على إجازه في الحديث، وعلم المنطق، وبذلك يكون أول طالب علم من أبناء بلدة «هجر» يحصل على وثيقة أو شهادة جامعية.

رجع معلمي إلى بلدة «هجر»، وباشر عمله في التدريس حتى عام 1357هـ في «مدرسة الأحساء الابتدائية» الأميرية، وكان «مُعلمي» سابقًا لعصره لنبوغه وتفوقه إلاَّ أنه قد أُسِيئَ إليه مِنْ قِبَلِ أحد زملائه المدرسين في المدرسة لدراسته عِلْمَي «الفلسفة» و«المنطق» في الهند، وهما عِلْمَان من يدرسهما يكون محل شبهة وقتها. كان المسيئ يرى عدم صلاحيته للتدريس. صَفَحَ «معلمي» عمَّن أساء إليه وقتها فترك المدرسة، أو تركته المدرسة فَتَوجَّه «لمحمية البحرين» لحين، ومن ثم عاد إلى «هجر» ليُباشر مهمة جليلة وهي نشر ثقافة العلم عن طريق مكتبة أنشأها مع ثلة من أصحابه الخلص من مدرسي المدرسة وهي «مكتبة التعاون الثقافي». وتعتبر المكتبة بالنسبة لي شخصيًا بمثابة «المدرسة الابتدائية الثالثة» بعد كل من: «مدرسة الأحساء الابتدائية الأميرية»، و«جامع الإمام فيصل بن تركي» الذي كان بمثابة «المدرسة الابتدائية الثانية» لي والذي كان إمامه الشيخ «عبدالله بن عبداللطيف المبارك». راجع كتابي: «كانت أشبه بالجامعة»، ص 329 وما بعدها.

لقد حازت المكتبة شهرة، بل وظلَّت في «هجر» رمزًا من رموز العلم يشار إليها بالبنان في حياة مؤسسها. وتوفى الله سبحانه وتعالى «معلمي» بعد أن أدى رسالته العلمية. وبعد وفاته بقيت المكتبة منارة مضيئة في موقعها في قلب حي «الكوت»، وهي الآن في عهدة ابنه «جمال» الذي آل على نفسه أن تبقى المكتبة تُؤدي رسالتها، وأن تكون كأحد المعالم البارزة في «محافظة الأحساء»، وبالفعل لا تزال. راجع كتابي: «كانت أشبه بالجامعة»، ص 329.

وعن معلمي وشيخي سطَّر يراع الأستاذ «عبدالله بن أحمد الشباط» كلمة تحت عنوان: «هذا الرجل الرمز»، ونشرها في جريدة اليوم، العدد رقم 4511 تاريخ 14 من ذي القعدة عام 1406هـ، ومما جاء فيها ما يلي:

«هذا الرجل هو حامل مشعل الثقافة في الأحساء.. إذ نذر نفسه أكثر من نصف قرن من الزمن لخدمة المعرفة، فتجشم المتاعب، وعرض نفسه للخسارة المادية، وأضاع الكثير من وقته ليقدم للطلبة والمثقفين وأنصاف المتعلمين زادهم الثقافي من الكتب والمجلات والأدوات المدرسية منذ عام 1354هـ أي منذ ذلك الوقت الذي كان فيه التعليم يدور في حلقات الذكر، ولا يتعدى مدارس الحديث، ومجالس الوعظ والإرشاد في المساجد.. في ذلك الوقت الذي اعتبرت فيه أول مدرسة منهجية خروجًا على المألوف، واستدراجًا للشباب لإدخالهم في سلك الجندية. في تلك الفترة التي شهدت الكثير من ظلام الجهل.. كان هذا الشيخ قد اتجه في شبابه إلى خارج الحدود، وكسر قيود الروتين والجهل متجهًا إلى الهند حيث تلقى تعليمه الأول والثانوي والعالي، وعاد منها بشهادته العالية حاملا معه آماله وطموحاته لخدمة أبناء وطنه. وكان العلم هو أوسع أبواب تلك الخدمة.. وكان الكتاب هو الوسيلة الوحيدة لإيصال ذلك العلم إلى العقول، ولخلق وعي ثقافي لدى أجيال المثقفين التي تتابعت فيما بعد. مضى نصف قرن وهو يسافر إلى الهند والقاهرة وبيروت ومكة والرياض يختار وينتقي الأوعية الجيدة المليئة بالمعرفة والثقافة، وخلاصة الفكر ليقدمها لنا ولإبنائنا دون ملل.. حتى أصبح رمزًا من رموز ذلك المد الثقافي الذي تشهده المنطقة اليوم.. ولم يكن ذلك العمل لديه وسيلة من وسائل الإثراء بقدر ما هو وسيلة للخدمة العامة.. لأن هناك من بدأوا بعده بمراحل فحقَّقوا الكثير من المكاسب، وهو وَقَفَ حيث هو يرصد الحركة الثقافية، ويتابع أفواج المثقفين من تلامذته ومريديه مضحيًا بالكثير الكثير من وقته وراحته ومكاسبه المادية لحساب تلك الينابيع الصافية التي من سلسبيلها تُصْنَعُ الأفكار، وعلى لبناتها تُبْنَى الحضارات. الكل يعرفه ويجهله.. نعم يعرفه شخصيًا، ويجهل فضله ومكانته العلمية، وجهاده في سبيل حمل شعلة المعرفة طوال نصف قرن. إنه الشيخ «عبدالله بن عبدالرحمن الملا» صاحب «مكتبة التعاون الثقافي» بالأحساء الذي أدين له وأبناء جيلي بالفضل والعرفان. فهذه تحية من مُريد.. وتقدير من طالب معرفةٍ وَجَدَ الطريق إليها.. في تلك المكتبة الصغيرة».

يتبع..
المزيد من المقالات