من المدن : البندقية

من المدن : البندقية

الاحد ١٨ / ٠٣ / ٢٠١٨
عندما تتشابه المدن حول العالم يكون من الجميل أن تعيش بمدينة مختلفة تماما. تنقلب فيها المعايير رأسا على عقب وتجد أنه بسبب ظروفها الخاصة لها مميزات مختلفة تماما.

المدينة التي عشتها قريبا فريدة من نوعها وهي البندقية في إيطاليا. ورغم كثرة الأفلام والصور والقصص التي صورت هناك إلا أن الإحساس الفعلي هناك تعدى جميع توقعاتي المسبقة. ظننت أنني من كثرة السفر وصلت لمرحلة يصعب فيها على المدن أن تبهرني وأسعدني جدا أنني كنت مخطئة.


لمدة أيام تجولت فيها مشيا على الأقدام دون أن أسمع أو أرى سيارة. لم أفتقد السيارة أبدا بل استنكرت رجوعها لحياتي عند انقضاء الرحلة. أعجبني تحديدا التنقل بالقارب وإمكانية الوصول للمدينة من المطار مباشرة بتاكسي مائي عبارة عن قارب يمشي في شارع محدد وسط البحر. تم تحديد الشارع بأعمدة خشبية من الجانبين وعندما يتقابل قاربان تخفف السرعة؛ لئلا تتأرجح القوارب بشدة نتيجة الأمواج.

إن مدينة البندقية تتكون من أكثر من ١٠٠ جزيرة صغيرة ترتبط بأكثر من ٤٠٠ جسر. محمية من التطوير؛ كونها من مواقع التراث العالمي. البعض قد يعدها مدينة العشاق بينما أراها متحفا حيا للعمارة والفن؛ كونها مكتظة بالمباني التاريخية لحقب متعاقبة تأثرت بما حولها من حضارات. إن أصغر المباني وأقلها إبهارا قد يحوي تحفا فنية فريدة يرجع تاريخها للقرن العاشر لأشهر الفنانين.

وبينما ترتبط وتنفصل المدينة بالقنوات توجد بها أرصفة تفيض وتغرق أحيانا كليا مع المد. مع ذلك كانت الواجهات البحرية لعدد كبير من القصور التاريخية هي الواجهات الأساسية حيث صممت للمشاهدة من على متن القوارب.

وصلت فندقي بالقارب ودخلته من خلال مرفأ خاص يطل على القناة الرئيسيّة. أما من الناحية الأخرى فكان المخرج باتجاه الرصيف إلا أنني استغرقت بضع ثوان حتى عرفت أن ما كنت أظنه بروازا فقط يخرجني على زقاق ضيق لا يسع حتى مظلة وقت المطر. بل إن عبور شخصين متقابلين يعد صعبا أحيانا.

إحساس غريب أن تنغلق الجدران لتحرك الناس بينها باستعجال وتشد النظر للأعلى للمح السماء وبينها الشبابيك وما يزينها. في البندقية تعاد صياغة المقاييس الحضرية وما قد يعد شارعا خلفيا مخيفا خارجها يصبح مألوفا وآمنا فيها. يعد المشي فيها ممتعا للمستكشفين؛ لكثرة التفاصيل المعمارية وقلة استقامة الطرق ولما للضياع فيها من لذة خاصة.

مدينة البندقية فريدة من نوعها ولديها تحديات كبيرة ومتزايدة مع التأثيرات السلبية للاحتباس الحراري. لا تمتلك شبكة تصريف وتنقل نفاياتها عبر السفن إلى اليابسة ولكنها ما زالت صامدة. عندما تفيض وهي تفيض كثيرا تمتلئ أدوارها الأرضية وتوضع طاولات مستمرة للمشي عليها في أرجاء المدينة.

ما زالت البندقية صامدة وجاذبة. نموذج تاريخي لمكان ليس له شبيه.

مدينة البندقية فريدة من نوعها ولديها تحديات كبيرة ومتزايدة مع التأثيرات السلبية للاحتباس الحراري. لا تمتلك شبكة تصريف وتنقل نفاياتها عبر السفن إلى اليابسة ولكنها ما زالت صامدة

ssalsolaiman@gmail.com
المزيد من المقالات