النقد وفاجعة التجريح

النقد وفاجعة التجريح

الاثنين ١٢ / ٠٣ / ٢٠١٨
ثمة فرق شاسع بين النقد والتجريح لا يمكن أن يخفى على أحد حتى وإن غلف التجريح بورق السولفان، وأحيط بالمراوغة وعدم الوضوح، فإن وعي القارئ كفيل باكتشاف ما بين السطور، ومعرفة الدوافع والأهداف التي تكمن وراء النقد الملغم، ومع ذلك فهناك من يركب هذا المركب الخطر، بحجة النقد، الذي طوعه أصحاب النوايا المشبوهة ليشمل التجريح دون هوادة، والإساءة دون رادع، والتجني دون دليل، فالنقد هوالمشجب الذي تعلق عليه كل هذه الأسمال البالية، المشبعة بالسموم القاتلة، حتى مع أنه لا يتقيد بأبسط شروط وقواعد النقد الموضوعي والبناء والهادف، وأسوأ مظاهر هذا السلوك هو التحول من نقد المواضيع إلى نقد الأشخاص، مع أن شخصنة أي موضوع هو انحراف به عن المسار الصحيح حين الجنوح إلى استخدام وسائل وأساليب.. النقد بريء منها.

ولا يخفى على أحد ما يمكن أن يسببه ذلك من فتن بين الناس، وزعزعة ما بينهم من الثقة والألفة، وزرع الشقاق في بروعهم، وهو أمر له آثاره السلبية في إضعاف العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد، الذي يفترض أن تسوده المحبة والوئام، لينصرف جميع أفراده إلى المشاركة في البناء التنموي المثمر بدل الانشغال بهذه المماحكات والنزاعات والفجور في الخصومة، والمجتمعات الناجحة هي تلك المجتمعات التي تغيب بين أفرادها مثل هذه الظواهر السلبية، عندما تكون للقانون سطوته في الحد من هذه الظاهرة، وتحجيم أصحابها حتى لا يستشري شرهم، لينتشر في الأمة انتشار النار في الهشيم، لكن ما الحيلة إذا كانت منظمات ودول تقف وراء هذا النوع من الشر الذي بدأ يستشري في جسد الأمة؟.


ومن يتصفح بعض مواقع التواصل الاجتماعي يجد العجب العجاب من هذه النماذج البشرية المشوهة في تفكيرها والخبيثة أهدافها، عندما تتعرض لأعلام معروفين بالتشويه والكذب وتزوير المواقف لخدمة أغراضها، أو أغراض من يقف وراءها بالدعم المادي أو المعنوي، ومثل هذه النبتة الخبيثة لا تظهر من فراغ، بل ان هناك من يرعاها ويمدها بأسباب الاستمرار والبقاء، مما يعني أن اولئك المفتونين بالإساءة لغيرهم، ليسوا سوى أدوات تحركها أيدٍ لم تعد خفية، وهذا بالضرورة يعني أن الاستغناء عنها وارد عندما تتغير الظروف، وعندما تصبح منبوذة فبأي وجه يمكن أن تقابل غيرها، هل هو وجه الندم وقت لا ينفع الندم، أو الاعتذار عندما لا يصبح للاعتذار قيمة؟.

امتلاء وسائل التواصل الاجتماعي، وربما بعض الصحف، بهذا الغثاء لا يخدم أي غرض نبيل هدفه أمن وسلام الجميع، بل يلتقي مع تلك الأهداف التي يسعى لتحقيقها الأعداء التقليديون والمعروفون والمعلنون نواياهم، ممن لا يريدون خيرا لغيرهم، وهذا ما يوجب الحذر في التعامل مع أصحاب النوايا المشبوهة الذين يزعمون بانهم لا يريدون إلا الإصلاح، وهم إنما يريدون التخريب وليس الإصلاح، وهذا التخريب يتمثل في سعيهم الحثيث لتشويه الحقائق، والنيل من أعراض الناس، والإساءة لأشخاص أبرياء، وما الإساءة لفلان أو علان من الناس.. إلا جناية يتحمل عواقبها المسيء عاجلا أو آجلا. ومن نذر نفسه للشيطان، فلن يلقى سوى سوء المصير.

khlilf@hotmail.com
المزيد من المقالات