DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

البيئة بين أحمقين

البيئة بين أحمقين
بعد جمع أوراق الواجب من طالباتي في نهاية المحاضرة خطر لي أن أنبه الطالبات بعدم وضع ورقة الواجب في كيس بلاستيكي حافظ، لأني لا أحبذه. فسألتني إحداهن عن السبب فقلت لها إن الأسباب كثيرة، فجاء السؤال التعقيبي على ردي من إحداهن: مثل ماذا؟ فأجبتها بعد برهة من الزمن: من أجل المحافظة على البيئة مثلا، فانفجرت حناجر الطالبات بالضحك، وبدوت وكأني أحمق القوم. وأنا لا أخفي أني قلت ما قلت بدافع الدعابة، ولم تكن القضايا البيئية تشغل حيزا من تفكيري في تلك اللحظة. ولكني علقت بالقول: إن هناك حملة عالمية للتحذير من الإسراف في استخدام البلاستيك، لما له من أثر كارثي على الحياة البحرية خصوصا، لكن الطالبات كان لسان حالهن يقول: وما شأننا نحن؟ والحق يقال إنهن لا تثريب عليهن، خصوصا في نهاية درس طويل.
بعدها بأيام كنت في حديث مع أحد الأصدقاء عن الإزالة المتعجلة -وربما غير المبررة- للأشجار من الشوارع، خاصة تلك الأشجار المعمرة. وكلانا يذكر حادثة مؤسفة (قديمة) أدت إلى إزالة الأشجار من أحد الشوارع، إذ كانت فيه أشجار كبيرة على جانبيه، ومتلاصقة الأغصان تظلل الشارع بأكمله، وفي ليلة ظلماء أزيلت كلها. ويشاع أن سبب الإزالة كان شكوى من بعض أصحاب المحال التجارية، بأن الأشجار تحجب لوحات محالهم عن المارة، فلم يتطلب الأمر إلا قرارا أحمق مطاعا يأمر بإزالتها بلا تريث، وبلا تفكير للحيلولة دون قرار الإزالة، من أجل المحافظة على هذه الأشجار ذات المنظر البهيج. وكما يبدو أن شأن البيئة واقع بين أحمقين: أحمق القوم -غير المطاع- الذي ينافح ويكافح من أجل المحافظة عليها، وأحمق مطاع لا تشغل البيئة أي حيز من تفكيره.
بعد هذا قد يذهب بعضهم إلى القول بأنه لا توجد توعية كافية حيال المحافظة على البيئة، وربما يكون هذا الأمر صحيحا وينطبق على كل دول العالم لكن بتفاوت، وللأمانة لا أستطيع القول بأنه لا توجد مساعٍ كثيرة مشكورة للتوعية البيئية من جهات عدة، ولكني أريد أن أطرح رأيا بخصوص «مساعي التوعية» هذه فأقول: إن الإشكال فيها ليس القلة أو الكثرة، وإنما السؤال لمن تقام هذه الفعاليات؟ فلو أردنا أن نوعي منسوبي جامعة من الجامعات -شريحة من المجتمع- عن أضرار الإسراف في استخدام البلاستيك بشتى أنواعه لأقمنا لذلك فعالية (في أروقة الجامعة). ولكي نجعل الأمر أكثر نجاعة -في رأيي- يمكننا جعل طلبة الجامعة متبنين لقضايا البيئة سمة مميزة للطالب المنتمي لهذه الجامعة أو تلك. فلا نجعل الغاية من إقامة الفعالية التوعية فحسب، بل نجعل الغاية منها دعوة لتبنى القضية قولا وفعلا حتى يصبح من لا يعرف ولا يعي المشاكل البيئية وتحدياتها هو أحمق القوم وليس العكس.
ولكن الشريحة الأهم ممن هم محتاجون للتوعية المكثفة المستعجلة هم أصحاب القرار في الشأن البيئي. وأنا هنا لن أسمي جهة بعينها، إذ إن الجهات المعنية محصورة ومعروفة. فالأجدر تكثيف حملات التوعية والتثقيف في أوساط الموظفين في أروقة تلك الدوائر، لأنهم هم من بيدهم القرار بإزالة شجرة معمرة أو المحافظة عليها، كما هم من بيدهم قرار تكثيف التشجير وزيادة المسطحات الخضراء في المدن، والمحافظة على الغطاء النباتي، كما هم من بيدهم العمل على منع -أو في أضعف الإيمان- التخفيف من تلوث الهواء والماء. حملات التوعية والتثقيف المكثفة بشتى أنواعها الأجدر أن تكون في أماكن عمل هؤلاء المسؤولين وتنظم من أجلهم، إلى أن يتبدل الحال ويصبحوا هم أنفسهم دعاة للمحافظة على البيئة، بحيث لو ظهر منهم أحمق مطاع، سيجد من يأخذ على يده ويردعه.
[email protected]